الخلاصة في ثوانٍ
أدي التطور البيولوجي، والذي استمر لملايين السنين، إلى نشوء قدرات متزايدة التعقيد بشكلٍ تدريجي.وفي كتابه ” لمحة موجزة عن تاريخ الذكاء: التطوّر والذكاء الاصطناعي والقفزات الخمس التي أسهمت في تشكيل أدمغتنا”، يستعرض ماكس بينيت خمس قفزات كبرى في مسار تطور الذكاء والتي أسهمت في تشكيل هذه الرحلة:
- التوجيه السلوكي :(Steering) البحث عن الغذاء والاقتراب منه، والتحرّك نحو الظروف الملائمة، والهروب من الحيوانات المفترسة وغيرها من الأخطار.
- التعلّم بالتعزيز(Reinforcing) : الاحتفاظ بذكرى الأفعال التي تؤدي إلى نتائج نافعة أو عواقب ضارة، وتعديل السلوك مستقبلًا بناءً على ذلك.
- المحاكاة الذهنية :(Simulating) استخدام العقل لاختبار التصرفات المحتملة؛ كالتفكير في عواقب سلوك طريق معين بدلًا من طريق آخر، وذلك قبل تحديد أي طريق نسلك.
- فهم عقول الآخرين :(Mentalizing) القدرة على إدراك أن للآخرين أفكارهم ومشاعرهم وأهدافهم الخاصة، والاستفادة من هذا الفهم لتوقّع سلوكهم.
- التحدّث :(Speaking) استخدام اللغة لشرح الخبرات وتبادل الأفكار وتعليم الآخرين ونقل المعرفة إلى الأجيال القادمة.
تساعد هذه القدرات مجتمعةً على تفسير كيف أصبح الذكاء البيولوجي أكثر مرونةً وتعقيدًا بمرور الزمن. كما تثير سؤالًا شيّقًا: هل يمكن لفهم كيفية تطوّر الذكاء في الأدمغة الحية أن يساعدنا على تطوير ذكاء اصطناعي أكثر قدرة؟
من الأحلام القديمة بخلق كائنات اصطناعية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، سعت البشرية طويلًا إلى محاكاة بعض مظاهر الذكاء في الآلات. ومع ذلك، فإن قدرة الآلة على أداء مهام فردية بصورة مبهرة لا تعني بالضرورة امتلاكها ذكاءً عامًا. وقد يساعدنا استكشاف العلاقة بين التطوّر البيولوجي والابتكار التكنولوجي على فهم ما حققه الذكاء الاصطناعي، والتحديات التي لا تزال تواجهه.
كيف أوصلتنا ملايين السنين من التطوّر البيولوجي وعقود من الابتكار التكنولوجي إلى عتبة عصر جديد من الذكاء؟
قد يبدو الذكاء الاصطناعي اختراعًا حديثًا، ولا سيما بعد أن أصبحت أدواته متاحة على نطاق واسع في السنوات الأخيرة. لكن حلم ابتكار آلات تستطيع التفكير والتصرّف بصورة مستقلة أقدم من ذلك بكثير؛ إذ تعود جذوره إلى تساؤلات فلسفية قديمة حول الحياة والفكر والذكاء، بينما ظهرت أسسه العلمية الحديثة خلال القرن العشرين.
يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم كتابة المقالات، وتوليد الصور، والتعرّف على الكلام، والتغلّب على أبطال العالم في ألعاب معقّدة، والمساعدة في البحث العلمي. وتثير هذه الإنجازات سؤالًا جوهريًا: ما الذكاء بالتحديد، وكيف نشأ؟ لفهم الاتجاه الذي قد يقودنا إليه الذكاء الاصطناعي، من المفيد ألّا نقتصر على دراسة تاريخ الحواسيب، بل أن نتأمل أيضًا الرحلة التطوّرية المذهلة التي أفضت إلى ظهور الدماغ البشري.
في كتابه لمحة موجزة عن تاريخ الذكاء: التطوّر والذكاء الاصطناعي والقفزات الخمس التي أسهمت في تشكيل أدمغتنا، يستكشف ماكس بينيت [1]، وهو رائد أعمال في مجال الذكاء الاصطناعي ومسؤول تنفيذي في قطاع التكنولوجيا، الصلة بين الذكاء البيولوجي والذكاء الاصطناعي. ويعرض تطوّر الذكاء باعتباره سلسلة من خمس قفزات كبرى، بُنيت كلٌّ منها على قدرات سابقة، مما أفضى إلى أشكال أكثر تعقيدًا من التعلّم والتخيّل والتفكير. وتتمثل فكرته الأساسية في أن فهم كيفية تطوّر الذكاء البيولوجي قد يقدّم أدلة مهمة تساعد على تطوير الذكاء الاصطناعي مستقبلًا.
خمس قفزات كبرى في مسار تطوّر الذكاء
وفقًا لبينيت، يمكن فهم تطوّر الذكاء من خلال خمس قفزات تطوّرية كبرى. فالذكاء المتقدّم لم يظهر دفعة واحدة، بل نشأ مع اكتساب الكائنات الحية قدرات جديدة بُنيت على ما سبقها من قدرات.
1. التوجيه السلوكي: تعلّم التنقّل في العالم
تمثّل القفزة الأولى القدرة على توجيه السلوك نحو النتائج المفيدة والابتعاد عن النتائج الضارة. فقد اعتمد بقاء الكائنات الحية على استجابتها المناسبة لبيئتها، كالتوجّه نحو مصادر الموارد والابتعاد عن الأخطار. وقد وفّرت هذه القدرة الأساسية على توجيه السلوك قاعدةً لظهور أشكال أكثر تعقيدًا من التعلّم.
2. التعلّم بالتعزيز: التعلّم من المكافآت والعواقب
تمثّل القفزة الثانية القدرة على التعلّم من نتائج الأفعال. إذ يمكن تعزيز السلوكيات التي ترتبط بنتائج مفيدة، بينما يمكن الحدّ من السلوكيات التي تؤدي إلى نتائج غير مرغوبة. ويُعرف هذا النوع من التعلّم باسم التعلّم بالتعزيز (Reinforcement Learning)، وهو مهم أيضًا في الذكاء الاصطناعي الحديث، حيث تستطيع الأنظمة الحاسوبية تحسين أدائها من خلال تلقّي المكافآت أو إشارات أخرى تقيّم نتائج أفعالها.
3. المحاكاة الذهنية: تعلّم تخيّل النتائج المحتملة
ازداد تطوّر الذكاء عندما أصبحت الكائنات الحية قادرة على استخدام نماذج داخلية للعالم تتيح لها توقّع ما قد يحدث. فبدلًا من الاعتماد كليًا على أسلوب التجربة والخطأ، أصبح بإمكان الكائن الحي، من حيث المبدأ، تقييم الأفعال المحتملة وعواقبها قبل الإقدام عليها. وتُعدّ هذه القدرة على المحاكاة ركيزة أساسية للتخطيط واتخاذ القرارات.
4. فهم عقول الآخرين: إدراك ما يدور في أذهانهم
تمثّل تطوّرٌ رئيسي آخر في القدرة على استنتاج ما قد يعرفه الآخرون، أو يرغبون فيه، أو يشعرون به، أو ينوون القيام به. وتُعرف هذه القدرة، التي يُشار إليها غالبًا باسم نظرية العقل (Theory of Mind) [2]، بأنها ركيزة تدعم التفاعل الاجتماعي والتعاون والمنافسة وتفسير سلوك الآخرين. فهي تتيح للأفراد ألّا تقتصر استجاباتهم على العالم المادي، بل أن تشمل أيضًا أفكار الآخرين ونواياهم.
5. التحدّث: تبادل المعرفة عبر اللغة
تمثّلت القفزة الخامسة في ظهور اللغة وسيلةً فعّالة لنقل الأفكار والتجارب والمعرفة. فاللغة تتيح للبشر تبادل المعلومات خارج نطاق تجاربهم المباشرة، والتعلّم من الأجيال السابقة، والتعاون على نطاق كان يصعب تحقيقه لولاها. كما تدعم اللغة التفكير التجريدي وتطوّر الثقافات المعقّدة.
تقدّم هذه القفزات الخمس إطارًا لفهم الكيفية التي أصبح بها الذكاء أكثر مرونةً وتعقيدًا عبر مسار التطوّر البيولوجي. كما تثير تساؤلًا مثيرًا للاهتمام: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر قدرات مماثلة عبر مسار مختلف، دون الحاجة إلى محاكاة العمليات البيولوجية التي أسهمت في تشكيل الدماغ البشري؟
يوفّر إطار بينيت نقطة انطلاق مفيدة لاستكشاف هذا السؤال. وتتناول الأقسام التالية المساعي البشرية الممتدة عبر الزمن لمحاكاة بعض مظاهر الذكاء بواسطة الآلات؛ بدءًا من الاختراعات الميكانيكية الأولى، وصولًا إلى بدايات الذكاء الاصطناعي الحديث.
من أحلام العصور القديمة إلى نشأة الذكاء الاصطناعي
تعود الرغبة في ابتكار كائنات اصطناعية إلى زمن يسبق ظهور الحواسيب الحديثة بمراحل طويلة. فقد تساءل فلاسفة العصور القديمة عمّا إذا كان من الممكن فهم التفكير البشري من منظور ميكانيكي، بينما سعى المخترعون إلى تصميم آلات قادرة على الحركة دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر. وعُرفت هذه الآلات باسم الآلات ذاتية الحركة (Automatons) [3]، وهي ابتكارات ميكانيكية بارعة صُمّمت لمحاكاة بعض خصائص الكائنات الحية.
ومن الأمثلة المبكرة على ذلك حمامة ميكانيكية يُنسب تصميمها إلى أرخيتاس [4]، وهو فيلسوف وعالم رياضيات يوناني قديم عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، وكان على صلة بالدائرة الفكرية لأفلاطون [5]. وبعد قرون، وتحديدًا نحو عام 1495، صمم ليوناردو دا فينشي [6] فارساً آليًا، مما يبيّن أن فكرة الكائنات الاصطناعية ظلّت تُلهم المخترعين عبر العصور.
لم تكن هذه الأجهزة ذكية بالمعنى الحديث للكلمة، لكنها عبّرت عن طموح إنساني مستمر: محاكاة بعض قدرات الكائنات الحية باستخدام الوسائل الميكانيكية.
اكتسبت فكرة الذكاء الاصطناعي زخمًا جديدًا في أوائل القرن العشرين، حين شجّعت أعمال الخيال العلمي والابتكارات الميكانيكية والتقدّم في علوم الحاسوب الباحثين على التساؤل عمّا إذا كانت الآلات قادرة في نهاية المطاف على محاكاة الفكر البشري. ففي عام 1920، قدّم الكاتب المسرحي التشيكي كاريل تشابك [7] مصطلح «روبوت» في مسرحيته روبوتات روسوم العالمية [8]، التي عُرضت للمرة الأولى عام 1921. وفي عام 1949، نشر عالم الحاسوب إدموند سي. بيركلي [9] كتابه الأدمغة العملاقة، أو الآلات التي تفكّر[10]، الذي استعرض فيه أوجه التشابه بين الحواسيب الناشئة والدماغ البشري.
لكن التحوّل الحاسم جاء مع تطوّر الحوسبة الحديثة وظهور طريقة جديدة للتفكير في ماهية الذكاء.
ففي عام 1950، نشر عالم الرياضيات والحاسوب البريطاني آلان تورينج [11] ورقته البحثية المؤثرة بعنوان آلات الحوسبة والذكاء [12]. وبدلًا من الانخراط في نقاشات نظرية مجرّدة حول قدرة الآلات على التفكير، اقترح تورينج طريقة عملية لدراسة المسألة. فقد طرح ما أسماه لعبة المحاكاة (Imitation Game) [13]، التي ارتبطت لاحقًا بما عُرف باسم اختبار تورينج (Turing Test) [14]. ويقوم الاختبار، في صورته الشائعة، على التساؤل عمّا إذا كان بإمكان آلة إجراء محادثة مقنعة إلى درجة تجعل المُقيِّم البشري يجد صعوبة في التمييز بين إجاباتها وإجابات إنسان حقيقي.
لم يمتلك تورينج تقنيات الحوسبة اللازمة لتحقيق رؤيته بالكامل، لكن أعماله ساهمت في إرساء الأسس الفكرية للذكاء الاصطناعي.
وقد اكتسب هذا المجال اسمه الرسمي في عام 1956، حين عُقدت ورشة دارتموث الصيفية البحثية، التي نظّمها عالم الحاسوب الأمريكي جون مكارثي [15] بالتعاون مع باحثين آخرين في كلية دارتموث. وجمعت الورشة باحثين اهتموا باستكشاف ما إذا كان بالإمكان جعل الآلات تؤدي مهام ترتبط بالذكاء البشري. وكان مصطلح الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) قد ظهر في مقترح الورشة عام 1955، ثم أصبح اسمًا للتخصّص العلمي الناشئ.
كان الطموح جريئًا؛ إذ افترض الباحثون أنه إذا أمكن وصف التعلّم والاستنتاج وغيرهما من جوانب الذكاء بدقة كافية، فربما يصبح بالإمكان بناء آلات تحاكي هذه القدرات.
تقدّم مبكر، وتوقعات عالية، وخيبة أمل
شهدت العقود الأولى من أبحاث الذكاء الاصطناعي ظهور أفكار واعدة، رغم أن التكنولوجيا كانت لا تزال بدائية وفقًا للمعايير الحديثة.
في عام 1952، بدأ آرثر صموئيل [16] تطوير برنامج حاسوبي لتعلّم لعبة الداما، أثبت أن الآلة يمكنها تحسين أدائها من خلال التجربة واكتساب الخبرة، بدلًا من الاعتماد كليًا على تعليمات يكتبها المبرمج. وأسهم صموئيل لاحقًا في نشر مصطلح التعلّم الآلي (Machine Learning) [17].
وفي عام 1958، طوّر مكارثي لغة البرمجة لِسب (LISP) [18]، التي أصبحت ذات أهمية بالغة في أبحاث الذكاء الاصطناعي. وخلال ستينيات القرن العشرين، استكشف الباحثون أنظمة قادرة على حل مشكلات محدّدة، والتواصل مع البشر، وتشغيل روبوتات بسيطة.
ومن أشهر التجارب المبكرة في هذا المجال برنامج إليزا (ELIZA) [19]، وهو برنامج محادثة ابتكره جوزيف فايزنباوم [20] عام 1966. وقد صُمّم لمحاكاة أسلوب المعالج النفسي في الحوار، إذ كان يرد على المستخدمين بإعادة صياغة عباراتهم في صورة أسئلة. وعلى الرغم من محدودية قدراته، اعتقد بعض المستخدمين أنهم يتفاعلون مع شخص حقيقي.
كشفت هذه التجربة عن حقيقة مهمة تتعلق بعلم النفس البشري: فقد ينسب البشر القدرة على الفهم إلى الآلة، حتى عندما تكون استجاباتها ناتجة عن قواعد بسيطة نسبيًا.
وشهد مجال الروبوتات أيضًا تطورات ملحوظة. فقد جمع الروبوت شاكي (Shakey) [21]، الذي طوّره معهد ستانفورد للأبحاث بين عامي 1966 و1972، بين المستشعرات والكاميرا التلفزيونية والبرامج الحاسوبية، مما مكّنه من التنقّل في محيطه. ومع أن قدراته كانت بدائية، فقد ساعد الباحثين على دراسة الإدراك البصري وتخطيط المسارات والتعامل مع الأشياء المادية.
غير أن التقدّم كان أبطأ مما توقّعه كثير من الباحثين؛ فقد كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تؤدي مهام محدّدة بكفاءة معقولة، لكنها كانت تواجه صعوبات عند التعرّض لمواقف غير متوقعة أو مشكلات تتطلب فهمًا أوسع. وأدّت هذه القيود، إلى جانب التكاليف الباهظة للحوسبة والأبحاث، إلى تشكيك الحكومات والمستثمرين في إمكانية تحقيق الإنجازات الموعودة.
وفي عام 1973، نُشر تقرير نقدي أعدّه عالم الرياضيات جيمس لايت هيل [22] عن أبحاث الذكاء الاصطناعي في بريطانيا، رأى فيه أن هذا المجال أخفق في تحقيق كثير من وعوده الطموحة. وأسهم التقرير، إلى جانب عوامل أخرى، في تراجع التمويل ودخول المجال في فترة اتسمت بفتور الاهتمام، عُرفت لاحقًا باسم شتاء الذكاء الاصطناعي (AI Winter) [23].
وشهدت ثمانينيات القرن العشرين انتعاشًا ملحوظًا، خصوصًا بفضل تطوير الأنظمة الخبيرة (Expert Systems) [24]. استخدمت هذه البرامج مجموعات كبيرة من القواعد لمحاكاة جوانب من عملية اتخاذ القرارات لدى الخبراء البشريين. ووجد بعضها تطبيقات تجارية، لكن حدود قدراتها ظهرت في نهاية المطاف. فقد كان تحديث قواعدها وصيانتها مكلفًا، كما واجهت صعوبة في التكيّف عندما اختلفت الظروف عن الحالات التي توقّعها مصمّموها.
وبحلول أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، أدّى تراجع آخر إلى إضعاف الاستثمار وفتور الحماس في هذا المجال.
فهذا النمط المتكرر، الذي يتأرجح بين التفاؤل وخيبة الأمل، سلّط الضوء على تحدٍ جوهري في تطوير الذكاء الاصطناعي: فالأداء المثير للإعجاب في نطاق محدود لا يعني بالضرورة التوصل إلى ذكاء عام قادر على التعامل بمرونة مع طيف واسع من المهام.
وفي الشهر المقبل، سنواصل سلسلة “لمحة موجزة عن تاريخ الذكاء” بمقالنا الثاني، الذي نستعرض فيه كيف انتقلت البشرية من حلمها القديم بابتكار آلات قادرة على التفكير إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي نراها اليوم. فكيف تطوّرت هذه الرحلة الاستثنائية؟
ملحوظات
1. ماكس بينيت: هو رائد أعمال وباحث في الذكاء الاصطناعي ومؤلف يهتم بتطور الذكاء والعلاقة بين الأدمغة البيولوجية والذكاء الاصطناعي. يستكشف كتابه تاريخ موجز للذكاء: التطور والذكاء الاصطناعي والاختراقات الخمسة التي أسهمت في بناء أدمغتنا كيف تطور الذكاء عبر مسيرة التطور، وما الذي يمكن أن نتعلمه من هذا التاريخ لفهم الذكاء الاصطناعي.
2. نظرية العقل: هي القدرة على فهم أن للآخرين معتقداتهم ورغباتهم ونواياهم ومشاعرهم الخاصة، التي قد تختلف عن معتقداتنا ومشاعرنا. تساعدنا هذه القدرة على تفسير سلوك الآخرين والتنبؤ به. وفي أبحاث الذكاء الاصطناعي، يُستخدم المصطلح أيضًا لوصف قدرة محتملة للآلات على التعرّف على الحالات الذهنية للبشر والاستدلال بشأنها.
3. الآلات ذاتية الحركة: هي أجهزة ميكانيكية صُممت لتنفيذ حركات أو أفعال تلقائيًا، وغالبًا ما تحاكي الكائنات الحية أو الأنشطة البشرية. يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وتمثل محاولات مبكرة لمحاكاة بعض مظاهر الحياة والسلوك الذكي باستخدام الهندسة الميكانيكية.
4. أرخيتاس الترينتي: فيلسوفًا وعالم رياضيات ومخترعًا يونانيًا عاش في القرن الرابع قبل الميلاد. يُنسب إليه تقليديًا صنع طائر ميكانيكي عُرف باسم “حمامة أرخيتاس”، ويُقال إنه استطاع الطيران بفضل آلية ميكانيكية. ويُستشهد به كثيرًا بوصفه مثالًا مبكرًا على الآلات ذاتية الحركة، رغم أن تفاصيل طريقة عمله لا تزال غير مؤكدة.
5. أفلاطون: فيلسوف يوناني قديم عاش تقريبًا بين عامي 428 و348 قبل الميلاد. تناولت كتاباته المعرفة والاستدلال والعقل وطبيعة الواقع. وعلى الرغم من أنه لم يطوّر الذكاء الاصطناعي، فإن أسئلته الفلسفية حول التفكير والمعرفة أسهمت في تشكيل تقاليد فكرية أثّرت لاحقًا في النقاشات المتعلقة بالذكاء البشري والآلات.
6. ليوناردو دافينشي (1452-1519) :فنان وعالم ومهندس ومخترع إيطالي. تتضمن دفاتره تصاميم لأجهزة ميكانيكية، من بينها فارس آلي أعاد باحثون معاصرون بناء نموذج محتمل قادر على العمل منه. ويجسّد عمله طموح عصر النهضة إلى فهم آليات جسم الإنسان ومحاكاتها.
7. كارل تشابيك (1890-1938): كاتب وكاتب مسرحي تشيكي. أسهمت مسرحيته الخيالية العلمية “روبوتات روسوم العالمية”، الصادرة عام 1920، في نشر كلمة “روبوت”. وتتناول المسرحية صنع عمال اصطناعيين والعواقب المترتبة على قيام البشر بإنتاج كائنات صُممت لخدمتهم.
8. روبوتات روسوم العالمية :(Rossum’s Universal Robots)مسرحية خيال علمي كتبها كارل تشابيك، ونُشرت عام 1920 وعُرضت لأول مرة عام 1921. تصوّر المسرحية عمالًا يُصنعون اصطناعيًا ثم يتمردون في نهاية المطاف على صانعيهم من البشر. وقد أسهمت في إدخال كلمة “روبوت” إلى الاستخدام العالمي؛ وهي مشتقة من الكلمة التشيكية “robota”، التي تعني العمل القسري أو العمل الإجباري. وقد نسب تشابيك اقتراح المصطلح إلى أخيه جوزيف.
9. إدموند سي. بيركلي (1909-1988): عالم رياضيات أمريكي ورائد في مجال الحوسبة ومؤلف، أسهم في تعريف الجمهور العام بالحوسبة الإلكترونية. صنع آلات حاسبة صغيرة وكتب شروحًا مبسطة لكيفية تنفيذ الآلات للعمليات المنطقية والرياضية.
10. أدمغة عملاقة، أو آلات تفكر: صدر هذا الكتاب لإدموند سي. بيركلي عام 1949، وعرّف القراء بعالم آلات الحوسبة الناشئ آنذاك. وشرح كيف تستطيع هذه الآلات معالجة المعلومات وتنفيذ عمليات تشبه بعض جوانب الاستدلال البشري. وأسهم الكتاب في نشر فكرة أن الآلات يمكنها أداء مهام كانت تُربط أساسًا بالذكاء البشري.
11. آلان تورينج (1912-1954): عالم رياضيات ومنطق وعلوم حاسوب بريطاني، أسهمت أعماله في إرساء الأسس النظرية للحوسبة الحديثة. وخلال الحرب العالمية الثانية، قدّم إسهامات مهمة في جهود بريطانيا لفك الشفرات. وطرح لاحقًا أسئلة جوهرية حول إمكانية تفكير الآلات، مما ساعد على تشكيل الأسس الفكرية للذكاء الاصطناعي.
12. آلات الحوسبة والذكاء: ورقة بحثية مؤثرة نشرها آلان تورينج عام 1950 في مجلة .(Mind) وبدلًا من محاولة تعريف التفكير تعريفًا دقيقًا، اقترح تورينج طريقة عملية لدراسة ذكاء الآلات من خلال تفاعل قائم على الأسئلة والأجوبة. وأصبحت الورقة إسهامًا تأسيسيًا في الدراسة الفلسفية والعلمية للذكاء الاصطناعي.
13. لعبة المحاكاة: قدّم تورينج في ورقته البحثية عام 1950فكرة مستندة إلى لعبة يحاول فيها محكّم التمييز بين المشاركين عن طريق طرح الأسئلة وتقييم إجاباتهم. وطوّر هذه الفكرة لدراسة ما إذا كان بإمكان آلة تقليد الاستجابات البشرية بدرجة من الإقناع تجعلها تُخطأ على أنها إنسان. وأفضى هذا الاقتراح إلى ما يُعرف اليوم باسم “اختبار تورينج”.
14. اختبار تورينج: يقيّم اختبار تورينج ما إذا كانت الآلة تستطيع التواصل بطريقة تجعل من الصعب على محكّم بشري التمييز بين إجاباتها وإجابات الإنسان. وفي صورته التقليدية القائمة على النصوص، يتواصل المحكّم مع المشاركين دون رؤيتهم. ويشير اجتياز الاختبار إلى نجاح الآلة في محاكاة التواصل البشري بصورة مقنعة ضمن ذلك السياق، لكنه لا يثبت بالضرورة أنها تفهم أو تشعر أو تمتلك وعيًا.
15. جون مكارثي(1927–2011) : عالم حاسوب أمريكي أسهم في تأسيس الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالًا بحثيًا مستقلًا. وقد صاغ مصطلح «الذكاء الاصطناعي» لمشروع دارتموث البحثي الصيفي عام 1956، الذي يُعد حدثًا بارزًا في تاريخ هذا المجال. كما طوّر لغة البرمجة «ليسب»، التي اكتسبت أهمية كبيرة في أبحاث الذكاء الاصطناعي المبكرة.
16. آرثر صموئيل(1901–1990) : عالم حاسوب أمريكي وأحد الرواد الأوائل في مجال تعلّم الآلة. طوّر برنامجًا للعب الداما استطاع تحسين أدائه من خلال الخبرة. وأسهم عمله في إثبات أن الحواسيب يمكنها تعلّم أداء المهام بصورة أفضل، بدلًا من الاعتماد كليًا على تعليمات صريحة يكتبها المبرمج.
17. تعلّم الآلة: هو فرع من الذكاء الاصطناعي يمكّن الحواسيب من اكتشاف الأنماط في البيانات وتحسين أدائها في مهام محددة من خلال الخبرة. فبدلًا من برمجة كل قاعدة بصورة صريحة، يدرّب المطورون الأنظمة باستخدام الأمثلة أو غيرها من أشكال البيانات. ويُستخدم تعلّم الآلة في تطبيقات مثل التعرّف على الصور والكلام، وأنظمة التوصية، والنماذج اللغوية.
18. لِسب (LISP): اختصارًا لعبارة “معالجة القوائم (List Processing)”، هي لغة برمجة طوّرها جون مكارثي في أواخر خمسينيات القرن العشرين. جعلتها قدرتها على معالجة التعبيرات الرمزية مناسبة بوجه خاص لأبحاث الذكاء الاصطناعي المبكرة، التي اعتمدت كثيرًا على تمثيل المعرفة والاستدلال باستخدام الرموز. وقد أثرت اللغة في تطور برمجة الذكاء الاصطناعي ولا تزال ذات أهمية تاريخية.
19. إليزا (ELIZA): برنامج مبكر لمعالجة اللغة الطبيعية، أنشأه جوزيف فايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا خلال منتصف ستينيات القرن العشرين. وقد حاكى أحد أشهر نصوصه الحوارية أسلوب معالج نفسي يتبع منهج كارل روجرز، إذ كان يرد على المستخدمين بطرح الأسئلة وإعادة صياغة أقوالهم. وعلى الرغم من قدرته على إعطاء انطباع بوجود محادثة، فإنه لم يمتلك فهمًا شبيهًا بالفهم البشري لما يقوله المستخدمون.
20. جوزيف فايزنباوم (1923–2008): عالم حاسوب ألماني أمريكي وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أنشأ برنامج إليزا. دفعته تجربته مع البرنامج إلى التساؤل عن مدى سهولة إسناد الفهم والبصيرة العاطفية إلى الحواسيب. وفي كتابه الصادر عام 1976، قوة الحاسوب والعقل البشري، حذّر من السماح للآلات بأن تحل محل الحكم البشري في المواقف التي تتطلب الحكمة والمسؤولية والتعاطف.
21. شاكي (Shakey): روبوت متحرك تجريبي طُوّر في معهد ستانفورد للأبحاث، المعروف حاليًا باسم SRI International، خلال أواخر ستينيات القرن العشرين وأوائل سبعينياته. جمع بين الكاميرات وأجهزة الاستشعار والاستدلال الحاسوبي والقدرة على الحركة داخل البيئة المحيطة. وقد مثّل محطة مهمة لأنه استطاع التخطيط لسلسلة من الأفعال لتحقيق أهداف محددة، مما أسهم في تقدم أبحاث الروبوتات والتخطيط والذكاء الاصطناعي.
22. السير جيمس لايت هيل (1924-1998): عالم رياضيات تطبيقية بريطاني وأحد المتخصصين البارزين في ديناميكا الموائع. أعدّ عام 1973 تقريرًا مهمًا لمجلس البحوث العلمية البريطاني لتقييم التقدم المحرز في الذكاء الاصطناعي. وكان تقييمه نقديًا بشدة للإنجازات التي حققها المجال مقارنة بوعوده الطموحة، وأسهم في تقليص الدعم المقدم لبعض أبحاث الذكاء الاصطناعي في بريطانيا.
23. شتاء الذكاء الاصطناعي: هو فترة يتراجع فيها الحماس والتمويل والاستثمار في هذا المجال بسبب عجز التقنيات عن تحقيق التوقعات أو النتائج الموعودة. ومن أبرز هذه الفترات ما حدث خلال سبعينيات القرن العشرين، ثم من أواخر الثمانينيات إلى التسعينيات، مع اختلاف التوقيت وشدة التأثير بحسب البلد والمجال البحثي. وقد عكست هذه الانتكاسات محدودية القدرة الحاسوبية والبيانات المتاحة والأساليب المستخدمة، إلى جانب صعوبة حل المشكلات المعقدة في العالم الحقيقي.
24. النظم الخبيرة: هي برامج ذكاء اصطناعي صُممت لحل المشكلات في مجال متخصص من خلال تطبيق المعرفة والقواعد التي يضعها الخبراء البشريون. وتستخدم عادةً قاعدة معرفية تحتوي على الحقائق والقواعد، إلى جانب محرك استدلال يطبّق تلك القواعد للوصول إلى النتائج. وقد اكتسبت هذه النظم أهمية خاصة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، واستُخدمت في تشخيص الأمراض واستكشاف أعطال الأنظمة الصناعية وغيرها من مهام دعم اتخاذ القرار.
المصادر
1. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي. “قصة الذكاء الاصطناعي منذ البداية حتى اليوم”. بحث جوجل، 6 أكتوبر 2026.
2. إدواردز، هيلين. “تاريخ موجز للذكاء الصناعي”. Artificiality 16 يناير 2026.
3. فريق عمل كورسيرا. “تاريخ الذكاء الاصطناعي: تسلسل زمني لتطور الذكاء الاصطناعي”. Coursera، 22 أبريل 2026.
https://www.coursera.org/articles/history-of-ai
4. تابلو “ما تاريخ الذكاء الاصطناعي؟” Tableau، 2026.
https://www.tableau.com/data-insights/ai/history
5. موتشي، تيم؛ فينيو، ماثيو؛ وداوني، أماندا. “تاريخ الذكاء الاصطناعي”. IBM ، أغسطس 2026.
https://www.ibm.com/think/topics/history-of-artificial-intelligence