ملخص في ثوانٍ: ماذا لو عثرت يومًا على ضفدع تقع عيناه داخل فمه؟ قد يبدو الأمر وكأنه مشهد من فيلم خيال علمي أو صورة معدلة ببرامج الكومبيوتر، لكن هذا الحيوان وُجد بالفعل في كندا عام 1992، وأصبحت صورته واحدة من أغرب الصور الطبيعية التي حيّرت العلماء وأثارت فضول الملايين حول العالم. ولم تكن هذه الحالة خدعة، بل مثالًا نادرًا على اضطراب في النمو الجنيني يفتح نافذة فريدة لفهم الطريقة التي تتكوّن بها أعضاء الكائنات الحية. فمن خلال دراسة كيفية تواصل الخلايا أثناء المراحل الأولى من تكوّن الجنين، وكيف يمكن للطفرات النادرة أو الطفيليات أو الملوثات البيئية وغيرها من العوامل أن تُربك هذه العملية الدقيقة، يتعلم العلماء المزيد عن العيوب الخلقية والطب التجديدي والآليات الأساسية التي تُشكّل جميع الكائنات الحية.
لا تتوقف الطبيعة أبدًا عن مفاجأتنا. فكوكبنا يعُجّ بكائنات تبدو أحيانًا وكأنها خرجت من صفحات رواية خيالية؛ من دلافين الأنهار ذات اللون الوردي الزاهي [1]، إلى الأسماك التي تبدو وكأنها تضع أحمر الشفاه [2]، وصولًا إلى المخلوقات الصغيرة التي تبدو وكأنها خرجت من رواية خيالية. وبينما اكتسبت معظم هذه الكائنات مظهرها الفريد عبر ملايين السنين من التطور، فإن بعضها الآخر يبدو غريبًا بسبب تشوهات نمو نادرة تحدث قبل ولادتها.
ومن أغرب هذه الحالات على الإطلاق قصة ضفدع نمت عيناه داخل فمه.
للوهلة الأولى، قد تظن أن القصة مجرد خدعة انتشرت على الإنترنت أو صورة عُدلت رقميًا. لكن الحقيقة أنها قصة حقيقية تمامًا، وقد ظلت لأكثر من ثلاثين عامًا تثير دهشة العلماء وعامة الناس على حد سواء.
بدأت القصة عام 1992، عندما تلقى سكوت جاردنر [3]، المصور الصحفي في صحيفة هاميلتون سبيكتاتور الكندية [4]، مكالمة هاتفية غير عادية. أخبرته إحدى العائلات في مدينة برلنجتون بمقاطعة أونتاريو أنها عثرت في حديقة منزلها الخلفية على ضفدع عيناه داخل فمه.
في البداية، اعتقد جاردنر أن أحدهم يداعبه أو يحاول خداعه، لكن فضوله المهني دفعه إلى زيارة المكان بنفسه. وهناك كانت المفاجأة. لقد كان وصف العائلة دقيقًا تمامًا. فلم يكن للضفدع أي محجري عين [5] ظاهرين، بدلاً من ذلك، كانت عيناه مغروستين في سقف فمه.
التقط جاردنر صورًا لهذا الحيوان الغريب، وسرعان ما انتشرت الصورة في أنحاء كندا والولايات المتحدة، ثم ظهرت لاحقًا في مقالات علمية وكتب علمية موجهة لعامة القراء، من أشهرها كتاب “تسلق جبل المستحيل” لعالم الأحياء الشهير ريتشارد دوكينز [6]. وحتى يومنا هذا لا تزال الصورة تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، ويعتقد كثيرون أنها صورة مزيفة أو أنها خضعت للتلاعب الرقمي. لكنها في الحقيقة صورة حقيقية وموثقة.
على الرغم من أن الكثيرين يشيرون إلى هذا الحيوان على أنه ضفدع، إلا أنه في الواقع ضفدع أمريكي بري (علجوم)، وتنتمي الضفادع والضفادع البرية (العلاجيم) [7] إلى نفس الرتبة البيولوجية. وتتميز الضفادع البرية (العلاجيم) عمومًا بجلد أكثر خشونة، وأرجل أقصر، وتقضي وقتًا أطول على اليابسة، في حين تتميز الضفادع عادةً بجلد أكثر نعومة، وأرجل أطول، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالماء. بعبارة أخرى، كل ضفدع أمريكي (علجوم) هو ضفدع، من الناحية العلمية، ولكن ليس كل ضفدع هو ضفدع أمريكي (علجوم).
هذا التركيب التشريحي غير المألوف أثار سؤالًا حير العلماء: كيف يمكن لعينين سليمتين أن تتكونا داخل الفم بدلًا من الرأس؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التعرّف إلى واحد من أكثر فروع علم الأحياء إثارة، وهو علم التطور الجنيني [8].
فعندما ينمو الجنين، لا تظهر أعضاؤه تلقائيًا في أماكنها الصحيحة وكأنها تتبع مخططًا جامدًا مرسومًا داخل الجينات. بل إن خلاياه تكون في حالة تواصل دائم، تتبادل فيما بينها إشارات جزيئية [9]. تخبر هذه الرسائل الكيميائية كل خلية بما يجب أن تصبح عليه، ومتى تبدأ في التطور، وأين ينبغي أن تتكون داخل الجسم.
وتُعرف هذه العملية المدهشة باسم التحريض الجنيني [10]، وهي التي تسمح لمليارات الخلايا بالعمل بتناغم مذهل لبناء كائن حي معقد بشكلٍ كامل. ويُعد تكوّن العين أحد أشهر الأمثلة على هذه العملية.
ففي المراحل المبكرة من نمو الجنين، يبرز من الدماغ النامي تركيب صغير يُعرف باسم الحويصلة البصرية [11]، والتي ستتطور لاحقًا إلى شبكية العين [12]. ورغم أن الشبكية تُعرف في الكائن البالغ بوظيفتها في استقبال الضوء، فإن دورها أثناء النمو الجنيني أكثر أهمية بكثير. فهي تُطلق إشارات جزيئية خاصة تُحفّز النسيج السطحي المجاور، وهو الأديم الخارجي الظاهر [13]، على تكوين عدسة العين [14]. وبدون هذه الإشارات، لن تتشكل العدسة أبدًا.
وبعبارة أخرى، فإن الشبكية النامية تُصدر التعليمات التي تدفع الأنسجة المحيطة إلى بناء بقية أجزاء العين.
وقد أثبت علماء الأجنة هذه الحقيقة من خلال سلسلة من التجارب الكلاسيكية الرائعة.
فحين نقلوا شبكية نامية إلى مكان غير معتاد داخل جنين ضفدع، مثل المنطقة التي ستصبح لاحقًا الفم، استمرت الشبكية في إرسال الإشارات الكيميائية نفسها، واستجابت الأنسجة المجاورة كما لو كانت في مكانها الطبيعي، فكوّنت عدسة العين وأجزاءً أخرى من العين في ذلك الموضع غير الطبيعي.
وأظهرت هذه التجارب حقيقة بالغة الأهمية:
فالجينات وحدها لا تحدد مكان تكوّن الأعضاء، بل يعتمد الأمر أيضًا على الحوار المستمر والإشارات المتبادلة بين الأنسجة المجاورة. ويبدو أن الضفدع الذي صوره سكوت جاردنر يمثل مثالًا طبيعيًا نادرًا على هذه العملية عندما تنحرف عن مسارها الصحيح بصورة استثنائية؛ فبدلًا من أن تتكون العينان في موضعهما الطبيعي، تكونتا داخل سقف الفم.
الطفرة الكبرى
يعتقد الباحثون أن هذه الحالة النادرة نتجت عن طفرة نمو كبرى، أو ما يُعرف أحيانًا بـ الطفرة الكبرى [15]، وهي نوع نادر من الطفرات يؤدي إلى تغييرات هيكلية كبيرة في الجسم، بخلاف التباينات الجينية الصغيرة [16] التي تنتج اختلافات طفيفة بين أفراد النوع الواحد.
وتُعد مثل هذه الطفرات نادرة للغاية، لكنها سُجلت في بعض البرمائيات بين الحين والآخر. ومع ذلك، لا يزال العلماء يجهلون السبب الدقيق الذي يؤدي إلى ظهور مثل هذه التشوهات النادرة. فهل تنجم عن طفرة جينية عشوائية؟ أم أن الطفيليات تلعب دورًا فيها؟ أم أن الملوثات البيئية وبعض المواد الكيميائية قد تُربك عملية النمو الجنيني؟ أم أن هناك عوامل أخرى لم تُكتشف بعد؟
في الجزء الثاني من هذه السلسلة، سنتعرف إلى مفهوم الطفرات الكبرى، ونستعرض أهم الفرضيات العلمية التي تحاول تفسير أسبابها، وما قد تكشفه هذه الحالات النادرة عن أسرار تطور الكائنات الحية وتكوّن أعضائها.
الملحوظات
- دلفين الأنهار ذو اللون الوردي الفاتح (Pink River Dolphin) –
هو نوع نادر من دلافين المياه العذبة يعيش في أنهار حوض الأمازون وأورينوكو بأمريكا الجنوبية، ويتميز بلونه الوردي الذي يزداد وضوحًا مع التقدم في العمر. يُعد من أكثر الثدييات المائية غرابة، ويُعتقد أن لونه ينتج عن مزيج من الصبغات الطبيعية ووفرة الشعيرات الدموية تحت الجلد. - الأسماك ذات الشفاه الحمراء (Red-Lipped Fish) –
هو وصف يُطلق على بعض أنواع الأسماك التي تمتلك شفاهًا حمراء زاهية، مثل سمكة الخفاش ذات الشفاه الحمراء. ويُعتقد أن هذا اللون يساعد في التواصل بين الأفراد أو جذب الأزواج، مما يمنح هذه الأسماك مظهرًا فريدًا يشبه وضع أحمر الشفاه. - سكوت جاردنر (Scott Gardner) –
سكوت جاردنر هو مصور كندي متخصص في تصوير الحياة البرية، اشتهر بالتقاط صور نادرة لحيوانات وحالات غير مألوفة في الطبيعة. اكتسب شهرة واسعة بعد تصوير ضفدع بري بدت عيناه داخل فمه، وهي صورة أثارت دهشة العلماء وأدت إلى اكتشاف حالة خلقية نادرة. - صحيفة “هاميلتون سبيكتاتور” (Hamilton Spectator) –
هي صحيفة يومية كندية تصدر في مدينة هاميلتون بمقاطعة أونتاريو، وتُعد من أقدم الصحف في كندا. تغطي الأخبار المحلية والوطنية والدولية، وقد نشرت تقارير عن الصورة الغريبة للضفدع التي لفتت انتباه المجتمع العلمي. - محجرات العيون (Eye Sockets / Orbits) –
محجرات العيون هي التجاويف العظمية في الجمجمة التي تستقر بداخلها العينان وتحميهما من الإصابات. كما تحتوي على العضلات والأعصاب والأوعية الدموية التي تسمح بحركة العين ووظيفتها الطبيعية. - كتاب ريتشارد دوكينز “تسلق جبل المستحيل” (Climbing Mount Improbable) –
هو كتاب ألّفه عالم الأحياء التطورية Richard Dawkins عام 1996 لشرح كيف يمكن للتطور أن ينتج تراكيب بيولوجية معقدة من خلال خطوات صغيرة متراكمة. يستخدم الكتاب تشبيه تسلق جبل تدريجيًا لتوضيح أن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يحدث عبر ملايين السنين من الانتخاب الطبيعي. - الضفادع والضفادع البرية (العلاجيم) (Frogs and Toads) –
الضفادع والضفادع البرية هما مجموعتان تنتميان إلى رتبة البرمائيات عديمة الذيل، وتشتركان في كثير من الصفات الأساسية مع وجود اختلافات في الجلد وبنية الجسم. فالضفادع غالبًا ما تمتلك جلدًا ناعمًا ورطبًا، بينما تتميز الضفادع البرية (العلاجيم) بجلد أكثر خشونة وجفافًا نسبيًا. - التطور الجنيني (Embryonic Development) –
التطور الجنيني هو سلسلة المراحل التي يمر بها الكائن الحي منذ تخصيب البويضة وحتى تكوّن أعضائه وأنسجته المختلفة. وخلال هذه العملية تنقسم الخلايا وتتمايز وتنتظم بدقة لتشكيل الجسم الكامل. - إشارات جزيئية (Molecular Signals) –
الإشارات الجزيئية هي مواد كيميائية أو بروتينات تستخدمها الخلايا للتواصل مع بعضها أثناء النمو والوظائف الحيوية. وتحدد هذه الإشارات متى تنقسم الخلايا وأين تتحرك وما هو نوع النسيج الذي ستتخصص فيه. - التحريض الجنيني (Embryonic Induction) –
التحريض الجنيني هو عملية يؤثر فيها نسيج أو مجموعة من الخلايا على خلايا مجاورة، فيوجهها لتكوين عضو أو نسيج معين. وتُعد هذه العملية أساسية لتكوين أعضاء الجسم في المواقع الصحيحة أثناء نمو الجنين. - الحويصلة البصرية (Optic Vesicle) –
الحويصلة البصرية هي تركيب جنيني مبكر ينشأ من الدماغ النامي ويُعد البداية الأولى لتكوين العين. وترسل هذه الحويصلة إشارات إلى الأنسجة المجاورة لتحفيز تكوين العدسة وبقية أجزاء العين. - الشبكية (Retina) –
الشبكية هي الطبقة الحساسة للضوء الموجودة في الجزء الخلفي من العين، وتحتوي على الخلايا العصوية والمخروطية المسؤولة عن الإبصار. وتحوّل الضوء إلى إشارات عصبية تنتقل عبر العصب البصري إلى الدماغ لتكوين الصورة. - الأديم الخارجي (Ectoderm) –
الأديم الخارجي هو إحدى الطبقات الجنينية الثلاث التي تتكون في المراحل المبكرة من نمو الجنين. ويتطور منه الجهاز العصبي والجلد والشعر والأظافر، إضافة إلى عدسة العين وبعض أجزائها. - عدسة العين (Lens of the Eye) –
عدسة العين هي جسم شفاف يقع خلف القزحية ويعمل على تركيز الأشعة الضوئية على الشبكية للحصول على رؤية واضحة. ويمكنها تغيير شكلها باستمرار لتوضيح رؤية الأجسام القريبة والبعيدة، وهي عملية تُعرف بالمطابقة. - الطفرة الكبرى (Major Mutation) –
الطفرة الكبرى هي تغير جيني واسع النطاق يؤثر في جزء كبير من المادة الوراثية أو في جين مهم، وقد يؤدي إلى تغيرات ملحوظة في شكل الكائن الحي أو وظائفه. ومعظم هذه الطفرات تكون ضارة أو قاتلة، بينما ينجو عدد قليل منها وقد يصبح مصدرًا لصفات جديدة. - التباينات الجينية الصغيرة (Small Genetic Variations) –
التباينات الجينية الصغيرة هي اختلافات طفيفة في الحمض النووي بين الأفراد، تنشأ غالبًا نتيجة طفرات بسيطة أو إعادة خلط الجينات أثناء التكاثر. وتوفر هذه الاختلافات المادة الخام للتطور، إذ ينتقي الانتخاب الطبيعي منها ما يمنح الكائن الحي ميزة في البقاء أو التكاثر.
المصادر
1. فريق السفر. “عثر مصور في كندا على ضفدع له عيون في فمه، مما أربك العلماء”. The Travel، 24 يونيو 2026.
https://www.thetravel.com/photo-of-toad-with-eyes-in-mouth-found-in-canada
2. علم الأحياء التطوري. (2020). علم الأحياء التطوري (الطبعة الثانية عشرة). Sinauer Associates / مطبعة جامعة أكسفورد.
3. مبادئ التطور. (2019). مبادئ التطور (الطبعة السادسة). مطبعة جامعة أكسفورد.
4. جون جيرهارت، ج.، ومارك كيرشنر، م. (1997). الخلايا والأجنة والتطور. بلاكويل ساينس.
5. علم الأجنة الطبي للانجمان. (2024). علم الأجنة الطبي للانجمان (الطبعة الخامسة عشرة). وولترز كلوير.