ملخص في ثوانٍ: لم يعد الذكاء الاصطناعي تهديدًا بعيدًا لسوق العمل، بل أصبح يعيد تشكيله بالفعل. فبينما يحذّر بعض الاقتصاديين من أن التقدم السريع في هذا المجال قد يؤدي إلى تراجع فرص العمل وزيادة فجوة عدم المساواة، تشير البيانات الحالية إلى تحول تدريجي، حيث يحلّ الذكاء الاصطناعي محل بعض المهام، ويخلق مهام أخرى جديدة في الوقت ذاته. نحو واحد من كل خمسة عاملين يقول إن الذكاء الاصطناعي تولّى جزءًا من عمله، في حين يشير آخرون إلى ظهور مهام جديدة. المستقبل لا يزال غير واضح، لكن تحوّل سوق العمل أصبح واقعًا—وهو يتسارع.
على مدى سنوات، تعامل الاقتصاديون بحذر مع موجات الحماس المبالغ فيها حول الذكاء الاصطناعي. ففي الوقت الذي كانت فيه العناوين الإعلامية تتأرجح بين التفاؤل المبالغ فيه والخوف الشديد، لجأ معظم الخبراء إلى قراءة أكثر توازنًا، مستندين إلى دروس التاريخ. فالتقنيات السابقة، مثل أجهزة الصراف الآلي [1]، لم تُلغِ مهن الموظفين البنكيين، بل غيّرت طبيعة عملهم. وكان الرأي السائد أن التكنولوجيا تعيد تشكيل العمل، لكنها نادرًا ما تقضي عليه بالكامل.
لكن هذه الثقة بدأت تتآكل تدريجيًا.
تشير دراسة حديثة أجراها باحثون من بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو[2]، ومعهد أبحاث التنبؤ [3]، وعدد من الجامعات المرموقة، إلى أن الاقتصاديين باتوا يأخذون سيناريوهات أكثر اضطرابًا على محمل الجد. هذا التحول قد يبدو بسيطًا، لكنه مهم. فبينما لا يتوقع الكثيرون انهيارًا شاملًا لسوق العمل، أصبحت التوقعات أكثر حذرًا وأقل يقينًا.
شملت الدراسة اقتصاديين وخبراء في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ما يُعرف بـ”المتنبئين الفائقين[4]“، وهم أشخاص يتميزون بدقة توقعاتهم. وقد اتفقوا على نقطة أساسية: الذكاء الاصطناعي يتطور بصورة ملحوظة، ومن المرجح أن يؤثر على الوظائف. كما أن تسارع تطوره يرتبط بانخفاض محتمل في مستويات التوظيف.
ومع ذلك، لا يبدو المشهد سوداويًا بالكامل. فمتوسط الاقتصاديين يشير إلى احتمال—ييقارب 50%—بأنه بحلول عام 2030 سيكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على إجراء أبحاث معقدة، وإنتاج أعمال إبداعية عالية الجودة، وتنفيذ مهام متقدمة دون إشراف كبير. أما السيناريوهات الأكثر دراماتيكية—حيث يعمل الذكاء الاصطناعي باستقلالية شبه كاملة وينجز سنوات من العمل خلال أيام—فلا تزال أقل احتمالًا، لكنها لم تعد مستحيلة.
في الوقت الحالي، يُتوقع أن يكون تأثيره على سوق العمل محدودًا نسبيًا. إذ يرجّح الاقتصاديون حدوث انخفاض طفيف في نسبة المشاركة في القوى العاملة خلال السنوات الخمس المقبلة. غير أن هذا الانخفاض قد يزداد في حال تسارع وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي، وربما يصل إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود. ومع ذلك، يرى الباحثون أن هذه السيناريوهات، رغم خطورتها، تشبه فترات سابقة من زيادة عدم المساواة، أكثر مما تمثل انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق.
وبينما تبقى التوقعات طويلة المدى غير مؤكدة، فإن الواقع الحالي يقدم صورة أكثر وضوحًا.
فقد أظهر استطلاع وطني حديث، أجرته مؤسسة “إيبوك للذكاء الاصطناعي[5]” بالتعاون مع “إبسوس[6]“، أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تغيير طبيعة العمل اليومي. إذ أفاد واحد من كل خمسة موظفين بدوام كامل أن الذكاء الاصطناعي تولّى جزءًا من عمله. وفي المقابل، قال 15% إنه أوجد لهم مهام جديدة. وهذا يعني أن الاستبدال والتغيير يحدثان في الوقت نفسه.
لكن هذا التوازن ليس متساويًا تمامًا. فالمعطيات تشير إلى أن وتيرة استبدال الوظائف قد تكون أسرع قليلًا من خلق وظائف جديدة، مما يثير القلق حول قدرة العمال على التكيف بالسرعة المطلوبة. وكما أشار أحد الخبراء، عندما تصبح هذه التغيرات واضحة بهذا الحجم، فإن التحول في سوق العمل لم يعد قضية مستقبلية—بل واقعًا يحدث الآن.
كما يكشف الاستطلاع عن مدى انتشار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. إذ أفاد نحو نصف البالغين في الولايات المتحدة باستخدامها خلال أسبوع واحد، غالبًا لأداء مهام بسيطة مثل البحث عن المعلومات أو كتابة النصوص أو توليد الأفكار. ورغم أن الاستخدام المكثف لا يزال محدودًا، فإن كثيرًا من الناس يستخدمون هذه الأدوات عبر حسابات شخصية، وليس من خلال أنظمة العمل، مما يجعل تتبعها وتنظيمها أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، بدأت أدوات أكثر تطورًا بالظهور. فقد أفاد عدد صغير لكنه متزايد من المستخدمين باستعمال ما يُعرف بـ”وكلاء الذكاء الاصطناعي[7]“، وهي أنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يمكنها أيضًا تنفيذ مهام بشكل مستقل. ورغم أن هذه التقنيات لا تزال في مراحلها المبكرة، فإن نموها السريع يشير إلى أن الفاصل بين المساعدة والاستقلالية قد يتلاشى بشكلٍ أسرع مما نتوقع.
بشكل عام، تبدو الصورة معقدة. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة بسيطة لزيادة الإنتاجية، ولا هو تهديد فوري يقضي على الوظائف. بل هو قوة مؤثرة تعيد تشكيل العمل تدريجيًا وبطرق غير متساوية.
يمنحنا التاريخ بعض الطمأنينة. فقد مرت الاقتصادات بتحولات تكنولوجية كبيرة من قبل، وغالبًا ما أصبحت أكثر إنتاجية بعدها—لكن ليس بالضرورة أكثر عدالة. كما يذكّرنا التاريخ أيضًا بأن مثل هذه التحولات نادرًا ما تكون سهلة، وأن فوائدها لا تتوزع بالتساوي.
يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل، بل متى وبأي سرعة—ومن سيدفع الثمن الأكبر. وحتى ذلك الحين، قد يمتلك العمال بعض الوقت لالتقاط الأنفاس. لكن هذا الهامش، كما يرى بعض الخبراء، قد يتقلص بشكلٍ أسرع مما نتخيل.
وبين التوقعات والواقع، تبقى حقيقة واحدة واضحة: مستقبل العمل لم يعد موضوعًا للنقاش—بل واقعًا بدأ بالفعل.
الملحوظات
1. أجهزة الصراف الآلي (ATMs – Automated Teller Machines)
أجهزة الصراف الآلي هي آلات مصرفية إلكترونية تتيح للعملاء إجراء معاملات أساسية—مثل سحب الأموال، إيداعها، أو التحقق من الرصيد—دون الحاجة إلى موظف بنك. وغالبًا ما تُستخدم كمثال على التكنولوجيا التي غيّرت طبيعة الوظائف في القطاع المصرفي بدلًا من القضاء عليها تمامًا.
2. بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو (Federal Reserve Bank of Chicago)
يُعد بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو واحدًا من 12 بنكًا إقليميًا يشكّلون نظام الاحتياطي الفيدرالي، وهو البنك المركزي للولايات المتحدة. يقوم بإجراء بحوث اقتصادية، والإشراف على المؤسسات المالية، والمساهمة في صياغة السياسة النقدية من خلال تقديم البيانات والتحليلات.
3. معهد أبحاث التنبؤ (Forecasting Research Institute)
معهد أبحاث التنبؤ هو منظمة تركز على تطوير أساليب التنبؤ والتحليل المستقبلي من خلال البحث والتعاون العلمي. وغالبًا ما يجمع بين اقتصاديين ومحللين وعلماء بيانات لدراسة الاتجاهات المستقبلية وحالات عدم اليقين، بما في ذلك تأثيرات التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي.
4. المتنبئون الفائقون (Superforecasters)
المتنبئون الفائقون هم أفراد يتميزون بقدرتهم المستمرة على تقديم توقعات دقيقة للغاية بشأن الأحداث المستقبلية، وغالبًا ما يتفوقون على الخبراء والنماذج التقليدية. يعتمدون على التفكير المنهجي، وتحليل البيانات، واستخدام الاحتمالات لتحسين دقة توقعاتهم بمرور الوقت.
5. إيبوك للذكاء الاصطناعي (Epoch AI)
إيبوك للذكاء الاصطناعي هي منظمة غير ربحية تُعنى بدراسة اتجاهات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطوره وقدراته وتأثيره الاقتصادي. تقوم بجمع وتحليل البيانات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وقدرة الحوسبة، وتأثيراته على سوق العمل لإفادة صانعي السياسات والجمهور.
6. إبسوس (Ipsos)
إبسوس هي شركة عالمية متخصصة في أبحاث السوق واستطلاعات الرأي العام، تقوم بإجراء الدراسات والمسوح وتحليل البيانات في مجالات متعددة. وتوفر رؤى ومعلومات للحكومات والشركات ووسائل الإعلام من خلال قياس آراء الناس وسلوكياتهم والاتجاهات السائدة حول العالم.
7. الوكلاء الأذكياء (AI agents)
الوكلاء الأذكياء هم أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على تنفيذ المهام بشكل مستقل، أي يمكنها اتخاذ إجراءات نيابةً عن المستخدم بدلًا من مجرد الرد على الأوامر. وعلى عكس الأدوات التقليدية، تستطيع هذه الأنظمة التخطيط واتخاذ القرارات وتنفيذ مهام متعددة الخطوات بحد أدنى من التدخل البشري.
المصادر
1. بيرلو، جاريد. «استطلاع: الذكاء الاصطناعي حل محل 20% من وظائف الموظفين بدوام كامل في الولايات المتحدة». NBC News، 9 أبريل 2026.
https://www.nbcboston.com/news/national-international/ai-job-work-replace-task-help/3930915
2. ويلكينز، جو. “الاقتصاديون يبدأون في الاعتراف بأنهم ربما كانوا مخطئين بشأن عدم استبدال الذكاء الاصطناعي لوظائف البشر أبدًا.” Futurism، 10 أبريل 2026.
https://futurism.com/future-society/economist-ai-job-forecast
3. زيلبر، أرييل. “جولدمان ساكس يكشف عن نمط مقلق وراء فقدان الوظائف في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.” New York Post، 8 أبريل 2026.