39# – “ضفدع عيناه داخل فمه (الجزء الثالث): هل يستطيع حيوان أن يعيش رغم هذا التشوه المذهل” – 7 سبتمبر، 2026

تذكير سريع في ثوانٍ:

في الجزء الأول من هذه السلسلة المكوّنة من ثلاثة أجزاء، تعرّفنا إلى القصة المذهلة لضفدع التقط صورته مصوّر صحفي كندي عام 1992. كان هذا الحيوان غريبًا إلى درجة أن كثيرًا من الناس شكّوا في البداية في أن الصورة مفبركة أو أنها مجرد مزحة. فقد بدا أن الضفدع لا يمتلك تجاويف عينية ظاهرة؛ وبدلًا من ذلك، بدت عيناه وكأنهما مغروستان في سقف فمه. وسرعان ما انتشرت هذه الصورة الاستثنائية في كندا والولايات المتحدة، ثم ظهرت لاحقًا في منشورات علمية وكتب للعلوم المبسطة.

وفي الجزء الثاني، استكشفنا علم الأحياء التطوري الذي قد يفسّر هذا التشوّه المذهل، وتناولنا كيف يمكن لاضطرابات كبيرة أثناء التطور الجنيني—يُشار إلى بعضها أحيانًا باسم الطفرات الكبرى [1] أن تؤدي إلى مثل هذه النتيجة التشريحية الاستثنائية.

ولكن، هل يستطيع ضفدع بعينين داخل فمه أن يعيش حياة طبيعية؟ وكيف يتمكن من الأكل والصيد والهروب من الحيوانات المفترسة؟ ولماذا تثير مثل هذه الحالات النادرة والاستثنائية اهتمام العلماء إلى هذا الحد؟ سنستكشف هذه الأسئلة في الجزء الثالث، بينما نواصل هذه القصة المذهلة ونكتشف ما يمكن أن يعلّمنا إياه هذا الشذوذ التطوري غير المعتاد عن العمليات الخفية التي تتحكم في النمو والتطور في عالم الطبيعة.

والآن، في هذا الجزء الثالث والأخير، نعود إلى السؤال الذي ربما يكون الأهم: هل يمكن لضفدع بعينين داخل فمه أن يظل على قيد الحياة ويعيش حياة طبيعية نسبيًا؟ وسنستكشف أيضًا لماذا تستمر مثل هذه الحالات النادرة والغريبة في إثارة اهتمام العلماء، وما الذي يمكن أن تعلّمنا إياه عن المرونة المذهلة والتعقيد، وأحيانًا عدم القدرة على التنبؤ، في تطور الحيوانات.

والمثير للدهشة أن الإجابة هي: نعم.

على الرغم من أن ضفدع بعينين داخل فمه يعاني بلا شك من ضعف في الرؤية، فقد تظل عيناه قادرتين على أداء وظيفتهما. فعندما يفتح الحيوان فمه، لا يزال بإمكانه اكتشاف الضوء والحركة.

والأكثر إثارة للدهشة هو الطريقة التي تستخدم بها الضفادع أعينها أثناء تناول الطعام. فعندما تبتلع فرائس كبيرة نسبيًا، مثل الحشرات، تسحب العديد من الأنواع أعينها إلى أسفل، داخل سقف الفم. وتساعد هذه الحركة على دفع الطعام نحو الحلق، مما يجعل عملية البلع أكثر كفاءة. وبمعنى ما، فإن عيون الضفدع السليم تتحرك بالفعل جزئيًا إلى داخل الفم أثناء التغذية؛ ولذلك، فإن وجود العينين في هذا الموضع غير الطبيعي قد يكون أقل إعاقة مما قد يبدو للوهلة الأولى.

لماذا تُعدّ الطفرات الكبرى مهمة؟

إن ضفدع “العينين داخل الفم” الشهير ليس سوى مثال واحد على التشوهات التطورية الاستثنائية التي وثّقها العلماء لدى البرمائيات. ففي الطبيعة، وكذلك في الدراسات المختبرية، لاحظ الباحثون أطرافًا مكررة، وأطرافًا مفقودة، وعيونًا إضافية، وأجنّة برأسين، وفكوكًا مشوهة، وأعضاءً في مواضع غير طبيعية، إلى جانب العديد من التشوهات التطورية الأخرى. كما سُجّلت تشوهات مشابهة لدى الأسماك والزواحف والطيور والثدييات، وحتى لدى حشرات مثل ذبابة الفاكهة، التي ساعدت طفراتها العلماء على اكتشاف العديد من الجينات المسؤولة عن تنظيم بناء الجسم أثناء التطور الجنيني.

لكن هذه الحيوانات غير المعتادة ليست مجرد ظواهر غريبة تثير الفضول. فقد أصبحت أدوات علمية بالغة الأهمية. فمن خلال دراسة الأخطاء التي تحدث أثناء التطور، استطاع الباحثون أن يفهموا بصورة أعمق كيف تتكوّن الأعضاء السليمة بصورة طبيعية، ولماذا تحدث العيوب الخِلقية، وكيف تتواصل الخلايا أثناء التطور الجنيني، وكيف تنسّق الجينات التطورية عملية بناء الكائن الحي بأكمله.

وقد غيّرت هذه المعرفة علم الأحياء الحديث، وأصبحت تسهم الآن في مجالات متنوعة، مثل علم الوراثة التطوري [2]، والطب التجديدي [3]، وأبحاث الخلايا الجذعية [4]، وهندسة الأنسجة [5]، وعلم الأحياء التطوري النمائي [6]، ودراسة الاضطرابات الخِلقية [7]

ولذلك، فإن الضفدع الاستثنائي الذي التُقطت صورته قبل أكثر من ثلاثين عامًا هو أكثر بكثير من مجرد ظاهرة بيولوجية غريبة. فهو يذكّرنا بقوة بأن بناء كائن حي يُعدّ واحدًا من أعظم إنجازات الطبيعة.

فمن بويضة واحدة مُخصّبة، يجب أن تنقسم مليارات الخلايا، وتتحرك من مكان إلى آخر، وتتواصل فيما بينها، وتتبادل إشارات وتعليمات جزيئية تحدد متى وأين وكيف سيتطور كل عضو.

وفي معظم الأحيان، تجري هذه العملية المذهلة بدقة استثنائية.

لكن بين الحين والآخر، قد يؤدي خطأ صغير في تلك التعليمات التطورية إلى ظهور حيوان مدهش إلى درجة أنه لا يثير خيالنا فحسب، بل يساعدنا أيضًا على فهم أحد أعظم ألغاز علم الأحياء:

كيف تبني الحياة نفسها؟

ملاحظات

1. الطفرات الكبرى –  (Macromutations)

الطفرات الكبرى هي تغيرات جينية واسعة النطاق يمكن أن تؤدي إلى تغيرات كبيرة في بنية جسم الكائن الحي أو في نمط تطوره. وعلى خلاف الطفرات الصغيرة التي قد تؤثر في صفة واحدة، يمكن للطفرات الكبرى، في بعض الحالات، أن تؤثر في أجزاء كاملة من الجسم أو في أنماط النمو والتطور.

2. علم الوراثة التطوري –  (Developmental Genetics)

علم الوراثة التطوري هو دراسة كيفية تحكم الجينات في نمو الكائن الحي وتطوره، بدءًا من خلية واحدة مُخصّبة وصولًا إلى كائن حي معقد. ويدرس هذا المجال كيفية تنظيم الجينات لعمليات مثل انقسام الخلايا، وتمايزها، وتكوين الأنسجة، وتطور الأعضاء.

3. الطب التجديدي –  (Regenerative Medicine)

الطب التجديدي هو مجال طبي يهدف إلى إصلاح الخلايا أو الأنسجة أو الأعضاء التالفة أو المريضة، أو استبدالها أو تجديدها. ويستخدم أساليب مثل الخلايا الجذعية، وهندسة الأنسجة، والجزيئات البيولوجية، بهدف استعادة البنية والوظيفة الطبيعية.

4. أبحاث الخلايا الجذعية –  (Stem-Cell Research)

تبحث أبحاث الخلايا الجذعية في الخلايا التي تمتلك القدرة على تجديد نفسها، وعلى التحول، في ظل ظروف مناسبة، إلى أنواع مختلفة من الخلايا المتخصصة. ويدرس الباحثون هذه الخلايا لفهم عمليات النمو والتطور والأمراض، ولاستكشاف علاجات محتملة للأنسجة والأعضاء التالفة.

5. هندسة الأنسجة –  (Tissue Engineering)

تجمع هندسة الأنسجة بين الخلايا والمواد الحيوية والإشارات البيولوجية لإنشاء أنسجة وظيفية أو استعادة الأنسجة التالفة. وتهدف إلى تطوير بدائل حيوية للأنسجة التالفة، مثل الجلد والغضاريف والعظام وغيرها، بحيث يمكنها الاندماج مع الجسم واستعادة بعض وظائفه الطبيعية.

[6] علم الأحياء التطوري النمائي –  (Evolutionary Developmental Biology – Evo-Devo)

هو فرع من علم الأحياء يدرس العلاقة بين التطور والنمو الجنيني، أي كيف يمكن للتغيرات في الجينات والعمليات التي تتحكم في نمو الأجنة أن تسهم في ظهور التنوع بين الكائنات الحية عبر الأجيال. ويساعد هذا المجال العلماء على فهم كيف يمكن لتغيرات صغيرة أو كبيرة في برامج النمو أن تؤدي إلى اختلافات في شكل الجسم وبنيته، وربما إلى ظهور صفات جديدة خلال مسار التطور.

[7] دراسة الاضطرابات الخِلقية –  (Study of Congenital Disorders)

هي دراسة الحالات أو التشوهات التي تكون موجودة عند الولادة، والتي قد تنتج عن عوامل وراثية أو اضطرابات أثناء نمو الجنين أو عن تفاعل عدة عوامل معًا. ويساعد فهم هذه الاضطرابات العلماء والأطباء على معرفة كيفية تطور الأعضاء، ولماذا قد يحدث خلل في تكوينها، وكيف يمكن الوقاية من بعض هذه الحالات أو تشخيصها وعلاجها.

المراجع

1. فريق عمل موقع “السفر”. “مصور كندى يعثر على ضفدع له عيون في فمه، مما أربك العلماء”. موقع “السفر”، 24 يونيو 2026.

https://www.thetravel.com/photo-of-toad-with-eyes-in-mouth-found-in-canada

2. علم الأحياء التطوري. (2020). علم الأحياء التطوري (الطبعة الثانية عشرة).

Sinauer Associates / Oxford University Press.

3. مبادئ التطور. (2019). مبادئ التطور (الطبعة السادسة). مطبعة جامعة أكسفورد.

Oxford University Press.

4. جون جيرهارت، ج.، ومارك كيرشنر، م. (1997). الخلايا والأجنة والتطور.

Blackwell Science.

5. علم الأجنة الطبي للانجمان. (2024). علم الأجنة الطبي للانجمان (الطبعة الخامسة عشرة).

Wolters Kluwer.

شارك هذا المقال على :

تم نسخ الرابط !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقلات قد تعجبك