36# – “ثغرة في فهمنا للكون: العلماء يحددون بدقة أكبر معدل تمدد للكون” – يوليو 21، 2026

ملخص في ثوانٍ: تمكّن علماء الفلك من إجراء أدق قياس حتى الآن لمعدل تمدد الكون [1]، ووجدوا أنه يبلغ نحو 73.5 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك [2]. ورغم أن هذه النتيجة تتوافق مع القياسات المستندة إلى النجوم والمجرات القريبة، فإنها تتعارض مع التقديرات المستخلصة من دراسة الكون المبكر، وهو اختلاف يُعرف باسم “تناقض هابل [3]“. ويبدو أن هذا التباين أكبر من أن يُفسَّر بأخطاء القياس وحدها، مما يشير إلى احتمال وجود عناصر أساسية في فيزياء الكون لم نفهمها بعد، مثل طبيعة المادة المظلمة [4] أو الطاقة المظلمة [5] أو حتى الجاذبية نفسها. وقد يقود هذا اللغز إلى اكتشافات تغيّر فهمنا للكون ومستقبله.

لقد عرف علماء الفلك منذ ما يقرب من قرن أن الكون يتمدد باستمرار. فمنذ الانفجار العظيم [6]، الذي وقع قبل حوالي 13.8 مليار سنة، أخذ الفضاء نفسه في الاتساع، حاملاً المجرات بعيدًا عن بعضها بعضًا. وكلما ازدادت المسافة إلى إحدى المجرات، بدت وكأنها تبتعد عنا بسرعة أكبر. ويُعد تحديد معدل هذا التمدد بدقة أحد أهم أهداف علم الكونيات الحديث، لأنه يساعد العلماء على فهم عمر الكون وتاريخه ومصيره النهائي. 

في الآونة الأخيرة، حقق فريق دولي من علماء الفلك أدق قياس حتى الآن لمعدل تمدد الكون. وتشير نتائجهم، التي نُشرت في مجلة “علم الفلك والفيزياء الفلكية”، إلى أن المعدل يبلغ حوالي 73.5 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك، مع هامش خطأ لا يتجاوز 1 في المائة تقريبًا. وبعبارة أبسط، فإن كل زيادة في المسافة بمقدار 3.26 مليون سنة ضوئية تقابلها زيادة في سرعة ابتعاد المجرات تبلغ نحو 73.5 كيلومترًا في الثانية.

ورغم أن هذه الأرقام تبدو ضخمة ومجردة، فإن أثرها على المقاييس البشرية ضئيل للغاية. فقد أوضحت عالمة الفيزياء الفلكية كارولين هوانغ [7] أنه لو كان هناك فراغ بحجم ملعب كرة قدم يتمدد بالمعدل نفسه الذي يتمدد به الكون، لاحتاج إلى أكثر من مليون سنة ليزداد طوله بمقدار سنتيمتر واحد فقط.

لكن هذا القياس الدقيق كشف في الوقت نفسه عن لغز قديم يُعرف باسم “تناقض هابل”. فعندما يقيس العلماء معدل التمدد اعتمادًا على النجوم والمجرات القريبة، يحصلون باستمرار على قيمة تقارب 73.5 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك. أما عند استنتاج هذا المعدل من دراسة الكون المبكر، ولا سيما من إشعاع الخلفية الكونية الميكروية [8]، وهو الأثر الباهت المتبقي من الانفجار العظيم، فإنهم يتوصلون إلى قيمة أقل تبلغ نحو 67 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك.

ويُعد هذا الفارق أكبر من أن يُفسَّر على أنه مجرد خطأ إحصائي، مما يدفع العلماء إلى الاعتقاد بأن هناك جانبًا مهمًا مفقودًا في النموذج القياسي لعلم الكونيات [9]، وهو الإطار النظري الذي يصف تطور الكون وبنيته.

ولهذا يدرس الباحثون عدة تفسيرات محتملة. فقد يكون السبب وجود جسيمات غير معروفة سابقًا، أو خصائص غير متوقعة للطاقة المظلمة، أو ربما الحاجة إلى تعديل بعض مفاهيمنا الأساسية حول الجاذبية. وتبقى المادة المظلمة والطاقة المظلمة من أبرز المرشحين لتفسير هذا التناقض.

وقد أُجريت الدراسة بواسطة مشروع “التعاون في شبكة قياس ثابت هابل” [10]، الذي جمع بين قياسات النجوم متغيرة السطوع (القيفاويات) [11]، والنجوم العملاقة الحمراء [12]، والمستعرات العظمى (السوبرنوفا) [13]، للوصول إلى مستوى غير مسبوق من الدقة. ويعزز توافق هذه القياسات المستقلة الرأي القائل بأن المشكلة لا تكمن في الرصد أو القياس، بل ربما في فهمنا الحالي للفيزياء الكونية.

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الجدل العلمي فحسب، بل تمتد إلى تصوراتنا لمستقبل الكون. فالنظرية السائدة اليوم تفترض أن الكون سيواصل التمدد إلى ما لا نهاية حتى يصل إلى حالة تُعرف باسم “الموت الحراري” [14]، حيث تنفد طاقة النجوم ويصبح الكون باردًا ومظلمًا وخاملًا إلى حد كبير. وقد يستغرق الوصول إلى هذه المرحلة أكثر من مئة تريليون سنة.

لكن إذا كانت نظرياتنا الحالية غير مكتملة، فقد تكون توقعاتنا لمستقبل الكون بحاجة إلى مراجعة أيضًا. وكما أشار عالم الفلك ديلون بروت [15]، فإن اكتشاف خللٍ في فهمنا للكون يعني أننا لا نستطيع أن نكون واثقين تمامًا مما ينتظر هذا الكون في المستقبل البعيد.

ومع أن هذا اللغز يثير الكثير من الأسئلة، فإنه يمثل في الوقت نفسه فرصة علمية استثنائية. فالتاريخ يُظهر أن أعظم الاكتشافات العلمية كثيرًا ما بدأت بملاحظات صغيرة بدت في البداية مجرد تناقضات مزعجة. واليوم، قد يكون “تناقض هابل” إشارة مبكرة إلى فيزياء جديدة لم تُكتشف بعد.

لقد ذكّرنا الكون مرة أخرى بأنه، على الرغم من كل ما تعلمناه، لا تزال بعضٌ من أعمق أسراره مخبأة بين النجوم.

الملحوظات

1. معدل تمدد الكون – The Universe Expansion Rate

يشير معدل تمدد الكون إلى السرعة التي تبتعد بها المجرات عن بعضها البعض نتيجة تمدد الفضاء نفسه. ويُقاس هذا المعدل بواسطة ثابت هابل (H₀)، والذي يُعبَّر عنه عادةً بوحدة كيلومتر في الثانية لكل ميغابارسيك (كم/ث/ميغابارسيك).

2. الميجابارسيك –  (Megaparsec – Mpc)

الميغابارسيك هو وحدة فلكية لقياس المسافات، ويعادل مليون بارسيك، أو نحو 3.26 مليون سنة ضوئية. ويستخدمه علماء الفلك لقياس المسافات الهائلة بين المجرات والعناقيد المجرية.

3. تناقض هابل –  (Hubble Tension)

يشير توتر هابل إلى الاختلاف بين الطرق المختلفة المستخدمة لقياس معدل تمدد الكون في الوقت الحاضر. إذ تعطي القياسات المستندة إلى الكون المبكر قيمة أقل من تلك المستندة إلى المجرات القريبة، مما يشير إلى أن النماذج الكونية الحالية قد تكون غير مكتملة.

4. المادة المظلمة –  (Dark Matter)

المادة المظلمة هي شكل غير مرئي من المادة لا يصدر الضوء ولا يمتصه ولا يعكسه، ولذلك لا يمكن رصدها مباشرةً بواسطة التلسكوبات. ويستدل العلماء على وجودها من خلال تأثيرها الجاذبي الذي يفسر حركة المجرات وتكوّن البنية واسعة النطاق للكون.

5. الطاقة المظلمة –  (Dark Energy)

الطاقة المظلمة هي شكل غامض من الطاقة يُعتقد أنه يشكل نحو 68–70% من محتويات الكون، وهو المسؤول عن التسارع المستمر في تمدده. وعلى الرغم من أن طبيعتها الحقيقية لا تزال مجهولة، فإنها تبدو وكأنها قوة تنافر تعاكس تأثير الجاذبية عبر المسافات الكونية الشاسعة.

6.  الانفجار العظيم –  (The Big Bang)

يُعد الانفجار العظيم النظرية العلمية الأكثر قبولًا لتفسير نشأة الكون قبل نحو 13.8 مليار سنة. وتنص هذه النظرية على أن الكون بدأ في حالة شديدة السخونة والكثافة، ثم أخذ يتمدد ويبرد باستمرار منذ ذلك الحين.

7. كارولين هوانج –  (Caroline Huang)

كارولين هوانغ هي عالمة فلك يتركز بحثها على علم الكونيات، وتطور المجرات، وتحسين قياسات معدل تمدد الكون. وتساهم أبحاثها في دراسة توتر هابل وتحسين فهمنا للمسافات الكونية.

8. إشعاع الخلفية الكونية الميكروي –  (Cosmic Microwave Background – CMB)

إشعاع الخلفية الكونية الميكروي هو إشعاع ميكروي خافت يُعد بقايا الانفجار العظيم، ويُوصف غالبًا بأنه أقدم ضوء يمكن رصده في الكون. ويوفر صورة للكون بعد نحو 380 ألف سنة من نشأته، ويُعد من أقوى الأدلة التي تدعم نظرية الانفجار العظيم.

9. النموذج القياسي لعلم الكونيات –  (ΛCDM Model)

النموذج القياسي لعلم الكونيات، المعروف باسم نموذج لامبدا للمادة المظلمة الباردة (ΛCDM)، هو النظرية السائدة التي تصف تطور الكون وتركيبه. ويجمع هذا النموذج بين المادة العادية، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة، ونظرية النسبية العامة لأينشتاين لتفسير المشاهدات الكونية.

10. التعاون في “شبكة قياس ثابت هابل” –  (H₀ Distance Network Collaboration)

تعاون شبكة قياس ثابت هابل هو فريق دولي من علماء الفلك يعمل على تحسين قياسات ثابت هابل باستخدام عدة مؤشرات مستقلة للمسافات. ويهدف الفريق إلى تقليل هامش الخطأ وفهم ما إذا كان توتر هابل ناتجًا عن أخطاء في القياس أم أنه يشير إلى وجود فيزياء جديدة.

11.  النجوم متغيرة السطوع (القيفاوية) –  (Cepheid Variable Stars)

النجوم المتغيرة القيفاوية هي نجوم نابضة يتغير سطوعها على فترات منتظمة. ولأن فترة نبضها ترتبط مباشرةً بسطوعها الحقيقي، يستخدمها علماء الفلك كـ”شموع معيارية” لقياس المسافات إلى المجرات القريبة.

12.  النجوم العملاقة الحمراء –  (Red Giant Stars)

النجوم العملاقة الحمراء هي نجوم متقدمة في العمر استنفدت وقود الهيدروجين في أنويتها، مما أدى إلى تمددها لتصبح أكبر بكثير من حجمها الأصلي. وتمتلك بعض هذه النجوم خصائص سطوع معروفة، مما يسمح لعلماء الفلك باستخدامها لتقدير المسافات إلى المجرات البعيدة.

13.  المستعرات العظمى –  (Supernovae)

المستعرات العظمى هي انفجارات نجمية هائلة تحدث عندما تنهار النجوم الضخمة أو عندما ينفجر قزم أبيض بعد اكتسابه كمية كبيرة من المادة. وتمتاز المستعرات العظمى من النوع Ia بسطوع أعظمي شبه ثابت، مما يجعلها شموعًا معيارية ممتازة لقياس المسافات الكونية الهائلة.

14.  الموت الحراري للكون –  (Heat Death of the Universe)

الموت الحراري هو سيناريو نظري يصف المصير النهائي للكون بعد فترة زمنية هائلة من استمرار تمدده. وفي هذه الحالة تكون النجوم قد انطفأت، واستُنفدت الطاقة القابلة للاستخدام، ووصل الكون إلى أقصى درجات الإنتروبيا، بحيث لا تبقى طاقة كافية لاستمرار العمليات الفيزيائية.

15.  ديلون براو –  (Dillon Brout)

ديلون براو هو عالم فلك وعالم كونيات تتركز أبحاثه على المستعرات العظمى والقياسات الدقيقة لثابت هابل. وتهدف أبحاثه إلى تحسين سلم المسافات الكونية والتحقيق في أسباب توتر هابل من خلال ملاحظات أكثر دقة.

المصادر

  • وودوارد، أيلين –  (Aylin Woodward)”لقد تمكن العلماء أخيرًا من تحديد مدى سرعة تمدد الكون.” صحيفة وول ستريت جورنال، 8 مايو/أيار 2026.
  • كاسيرتانو، س – (S. Casertano)، أناند، ج – (G. Anand)، أندرسون، ر – . (R. Anderson)، وآخرون. “شبكة المسافات المحلية: تقرير توافق مجتمعي حول قياس ثابت هابل بدقة تقارب 1٪”، مجلة علم الفلك والفيزياء الفلكية (Astronomy & Astrophysics)، 10 أبريل/نيسان 2026.
    شبكة المسافات المحلية: تقرير توافق مجتمعي حول قياس ثابت هابل بدقة تقارب 1٪ | مجلة علم الفلك والفيزياء الفلكية (A&A)

شارك هذا المقال على :

تم نسخ الرابط !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقلات قد تعجبك