للوهلة الأولى، بدا تقرير الوظائف لشهر مارس وكأنه خبرٌ مريح في زمنٍ مثقل بالقلق. فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 178 ألف وظيفة، وانخفض معدل البطالة إلى 4.3%—وهي أرقامٌ كفيلة بأن تبعث شيئًا من التفاؤل الحذر بعد عامٍ صعب. بدا المشهد، على سطحه، وكأن الاقتصاد يستعيد توازنه، وربما يخطو نحو التعافي.
لكن، وكما يحدث كثيرًا، لا تحكي العناوين القصة كاملة.
فسرعان ما أشار الاقتصاديون إلى أن هذا التحسن يخفي خلفه مفارقة مقلقة. فمعدل البطالة لم ينخفض لأن مزيدًا من الناس وجدوا عملًا، بل لأن عددًا غير قليل منهم توقف عن البحث أصلًا. رجال في سن العمل، وشابات في بدايات حياتهن المهنية، وعمّال أكبر سنًا يقتربون من التقاعد… جميعهم انسحبوا بهدوء من سوق العمل. وبغيابهم، بدت الأرقام أفضل مما هو عليه الواقع.
وعندما ننظر إلى ما وراء الأرقام الرئيسية، تتضح الصورة أكثر. فمؤشر البطالة الأوسع نطاقًا (U-6) [1]، الذي يشمل العمال المحبطين ومن يعملون بدوام جزئي رغم رغبتهم في عمل كامل، ارتفع إلى 8%. وفي الوقت نفسه، تباطأت وتيرة التوظيف إلى مستويات لم نشهدها منذ الأيام الأولى للوباء. ما يبدو، من بعيد، كسوق عمل مستقر، يكشف عن هشاشته عند الاقتراب منه—سوق تفقد زخمها بدل أن تكتسبه.
حتى الوظائف الجديدة نفسها لا توزّع قوتها بالتساوي. فقد جاء الجزء الأكبر من النمو من قطاع الرعاية الصحية، الذي أسهم وحده بنحو نصف الوظائف الجديدة، وبعضها لا يعكس توسعًا حقيقيًا بقدر ما يعكس عودة العمال بعد الإضرابات. أما بقية القطاعات—كالترفيه والضيافة والتصنيع—فقد أظهرت تحسنًا متواضعًا، لكنه لم يكن يكفي للحديث عن انتعاش واسع. ولو استبعدنا قطاع الرعاية الصحية، لبدت الصورة أقل إشراقًا بكثير، بل أقرب إلى الانكماش في القطاع الخاص خلال العام الماضي.
أما الأجور، فهي تروي قصة أخرى. فقد تباطأ نموها إلى أضعف مستوياته منذ سنوات، بزيادة لا تتجاوز 0.2% شهريًا و3.5% سنويًا. ومع توقع ارتفاع التضخم إلى أكثر من 4% وربما يقترب من 5%، قد يجد كثير من العمال أنفسهم يخسرون، حتى وهم يحتفظون بوظائفهم. إنه تآكلٌ صامت، لا يلفت الانتباه، لكنه يترك أثره في تفاصيل الحياة اليومية.
وبالنسبة للعمال الأصغر سنًا، تبدو التحديات أشد قسوة. فخريجو الجامعات الجدد يواجهون معدلات بطالة تقارب ضعف ما كانت عليه قبل الوباء. تتقلص فرص العمل للمبتدئين، والشركات تبدو عالقة في حالة “لا توظيف ولا تسريح”—تتردد في التوسع، لكنها تتجنب أيضًا تسريح العمال. وفي الوقت نفسه، يتقدم الذكاء الاصطناعي بخطى هادئة ليعيد تشكيل سوق العمل ويقلّص الحاجة إلى كثير من الوظائف التي تتطلب مهارات منخفضة، والتي كانت تمثل في السابق نقطة الانطلاق للأجيال الجديدة.
ثم هناك ما لم يظهر بعد في الأرقام. فبيانات شهر مارس جُمعت قبل أن تتضح آثار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة. الآن، تتصاعد تكاليف الشحن، وتضطرب سلاسل التوريد من جديد، وتلوح في الأفق صدمة تختلف عن سابقاتها—أقرب في تأثيرها إلى اضطرابات الجائحة، حيث امتدت العوائق من الوقود إلى المواد الأساسية للصناعات التكنولوجية.
بشكل عام، الصورة ليست صورة انهيار، بل صورة توتر. فالاقتصاد ما زال ينبض، لكنه لا ينبض بسرعة كافية. إنه سوق عمل يقف بين الصمود والتراجع، حيث تخفي قوة الأرقام المعلنة في العناوين الرئيسية حالةً من عدم اليقين.
وبالنسبة لصانعي القرار، فإن ذلك يخلق موقفًا صعبًا يتطلب التوازن. فظاهر الأرقام يمنحهم الثقة بسوق العمل، وبالتالي يتيح لهم الفرصة للتركيز على التضخم، الذي لا يزال مرتفعًا. لكن إن استمر هذا الضعف الكامن في التزايد—وواصل المزيد من العمال الانسحاب من القوى العاملة، وتباطأ التوظيف، وعجزت الأجور عن اللحاق بالأسعار—فإن كلفة تجاهل هذه الإشارات قد تصبح أعلى مما يُحتمل.
في النهاية، لا يمثل تقرير مارس علامة على النجاح بقدر ما يمثل لحظة من الغموض. فهو يطرح سؤالًا أعمق: ليس فقط عن عدد الوظائف التي يتم إضافتها، ولكن عمّن لا يزال يقف في الطابور لملئها—ومن قرر، بهدوء، أن ينسحب منه.
الملحوظات
1. مؤشر البطالة الأوسع نطاقًا (U-6): هو مقياس شامل للبطالة يشمل ليس فقط العاطلين عن العمل رسميًا، بل أيضًا الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل (العمال المُحبطون) وأولئك الذين يعملون بدوام جزئي رغم رغبتهم في عمل بدوام كامل. لذلك يُعد هذا المؤشر أكثر دقة في إظهار الحالة الحقيقية لسوق العمل، لأنه يكشف عن جوانب “البطالة الخفية” التي لا تظهر في المعدل الرسمي.
المصادر
1. رويتبورغ، إيفا. “تقرير الوظائف يبدو إيجابياً ’لأسباب خاطئة‘، كما يحذر خبير اقتصادي بارز: فهو يخفي عدد الأمريكيين الذين فقدوا الأمل”. مجلة فورتشن، 3 أبريل 2026.
https://fortune.com/2026/04/03/jobs-report-march-fed-jerome-powell-unemployment-gen-z-wages
2. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي. “زيادة قدرها 178,000 وظيفة في مارس 2026” Google AI Mode، 3 أبريل 2026.