ملخص في ثوانٍ
عندما تفرض الحكومات رسوماً جمركية لحماية صناعاتها، تبدو الفكرة بسيطة: نحمي المنتج المحلي ونحافظ على الوظائف. لكن التاريخ يُظهر أن الصورة أعقد بكثير. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، ساهم قانون سمووت–هولي في تعميق أزمة الكساد الكبير عبر تقليص التجارة وارتفاع البطالة. وبعد نحو تسعين عاماً، أظهرت تجربة الرسوم المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين أن التعريفات قد توفر حماية قصيرة لبعض القطاعات، لكنها في الوقت نفسه ترفع التكاليف، وتثير ردوداً انتقامية، وتضغط على النمو الاقتصادي. الدرس المتكرر: الرسوم الواسعة وطويلة الأمد غالباً ما تكلّف الاقتصاد أكثر مما تفيده.
كل يوم نسمع جدلاً واسعاً على شاشات التلفزيون، وفي الإذاعات والبودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي حول الرسوم الجمركية التي فُرضت في السنوات الأخيرة. هناك من يراها وسيلة دفاع ضرورية عن الاقتصاد الوطني، وهناك من يعتبرها عبئاً يثقل كاهل المستهلك والشركات. وبين الرأيين يقف كثيرون يتساءلون: “ما الحقيقة؟”
لفهم الصورة بهدوء، من المفيد أن ننظر إلى التاريخ. ليس بهدف تكراره، بل لفهم أنماطه. وفي هذا المقال نستعرض تجربتين بارزتين: قانون سمووت–هولي عام 1930، والنزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين بين 2018 و2025.
أولاً: قانون سمووت–هولي… حين تحوّل العلاج إلى عبء
في يونيو 1930، ووسط أجواء القلق بعد انهيار سوق الأسهم عام 1929، وقّع الرئيس هربرت هوفر “قانون سمووت-هولي للرسوم الجمركية”. كان الهدف واضحاً: حماية المزارعين والصناعات الأمريكية من المنافسة الأجنبية عبر رفع الرسوم على آلاف السلع المستوردة.
الفكرة بدت منطقية في ظاهرها: إذا أصبحت السلع الأجنبية أغلى، سيتجه الأمريكيون إلى شراء المنتجات المحلية، فتنتعش المصانع وتحافظ على الوظائف.
لكن ما حدث كان مختلفاً.
رفعت الولايات المتحدة الرسوم إلى مستويات مرتفعة جداً، فردّت دول أخرى بفرض رسوم انتقامية على السلع الأمريكية. خلال ثلاث سنوات فقط، انهارت التجارة الدولية بشكل حاد وتراجعت الصادرات والواردات الأمريكية بنحو الثلثين.
النتيجة؟
انخفض الناتج القومي الإجمالي بشكل كبير، وقفزت البطالة إلى مستويات قياسية. صحيح أن الكساد الكبير لم يبدأ بسبب الرسوم وحدها، لكن معظم المؤرخين الاقتصاديين يتفقون على أنها زادت الوضع سوءاً، وحوّلت الانكماش إلى أزمة أعمق وأطول.
بعد هذه التجربة، غيّرت الولايات المتحدة مسارها، وبدأت مرحلة جديدة من خفض الحواجز التجارية والتفاوض مع الشركاء التجاريين.
ثانياً: الرسوم بين الولايات المتحدة والصين (2018–2025)… نسخة حديثة من صراع قديم
بعد قرابة تسعين عاماً، عاد ملف الرسوم إلى الواجهة بقوة. ففي عام 2018، بدأت الولايات المتحدة فرض رسوم جديدة على سلع صينية ضمن نزاع تجاري واسع بين الولايات المتحدة والصين، بدعوى معالجة العجز التجاري وقضايا الملكية الفكرية والمنافسة الصناعية.
الصين بدورها لم تقف مكتوفة الأيدي، بل فرضت رسوماً مضادة على سلع أمريكية، من بينها المنتجات الزراعية والصناعية.
ماذا تغيّر هذه المرة؟
الاقتصاد اليوم أكثر ترابطاً من اقتصاد ثلاثينيات القرن الماضي. كثير من السلع المستوردة ليست منتجات نهائية، بل مكونات تدخل في صناعة منتجات أمريكية. وعندما ترتفع تكلفة هذه المدخلات، ترتفع معها تكاليف الإنتاج في المصانع المحلية نفسها.
تشير دراسات حديثة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي كان أقلَّ بنسبةٍ تُقدَّر بين 0.4% و1% مما كان يمكن أن يكون عليه لولا تلك الرسوم والردود الانتقامية.
أما على صعيد الوظائف، فالصورة كانت مختلطة
بعض الصناعات، مثل الصلب، استفادت مؤقتاً من الحماية. لكن في المقابل، واجه مزارعون ومصدّرون وشركات تصنيع ضغوطاً بسبب تراجع الصادرات وارتفاع التكاليف. النتيجة الإجمالية، بحسب كثير من الدراسات، كانت أقرب إلى السلبية منها إلى الإيجابية.
ماذا نتعلم من التجربتين؟
عند مقارنة الحالتين، تظهر أنماط متشابهة:
- الرسوم ترفع الأسعار على الشركات والمستهلكين.
- الدول الأخرى غالباً ما ترد بالمثل.
- الصادرات قد تتراجع، ما يؤثر في الإنتاج والوظائف.
- التأثير العام على النمو الاقتصادي يميل إلى السلبية عندما تكون الرسوم واسعة وطويلة الأمد.
هذا لا يعني أن الرسوم عديمة الفائدة مطلقاً. فقد تُستخدم أحياناً لتحقيق أهداف تفاوضية أو لحماية قطاع محدد في ظرف استثنائي. لكن تحويلها إلى سياسة دائمة وشاملة يحمل مخاطر واضحة.
كلمة أخيرة – رأي المحرر
السياسة التجارية ليست مسألة شعارات، بل توازن دقيق بين الحماية والانفتاح. التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يهمس لنا بالدروس.
الرسوم الجمركية قد تبدو أداة سريعة لحماية الاقتصاد، لكنها تشبه في كثير من الأحيان دواءً قوياً له آثار جانبية قاسية. وإذا لم يُستخدم بحذر، قد يتحول العلاج إلى عبء.
ومع استمرار الجدل في عام 2026، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نتعلم من تجارب الماضي، أم نعيد اختبار الدروس نفسها بثمن أكبر؟ في مقال الشهر المقبل، سنناقش ما قد تعنيه هذه الخبرات التاريخية لمستقبل الاقتصاد الأمريكي اليوم.