: لماذا يستخدم معظم البشر اليد اليمنى؟ تشير دراسة علمية حديثة [1] إلى أن الإجابة قد تعود إلى سببين رئيسيين شكّلا تاريخ الإنسان كله: الوقوف والمشي على قدمين [2]، وتطور دماغ أكبر وأكثر تخصصًا. فعندما تحررت اليدان من مهمة المشي، أصبحتا متاحتين لصنع الأدوات وإنجاز الأعمال الدقيقة، مما منح أصحاب المهارات اليدوية الأفضل ميزة تطورية. ومع مرور ملايين السنين، عزز تطور الدماغ هذا الاتجاه حتى أصبح نحو 90% من البشر يفضلون استخدام اليد اليمنى. وتوفر نتائج هذه الدراسة أيضًا رؤى جديدة حول استخدام اليد اليسرى وتكشف عن أوجه تشابه مثيرة للاهتمام لتفضيل الأطراف و التي لوحظت في الببغاوات والكنجارو وبعض الحيوانات الأخرى.
الأصول التطورية لاستخدام اليد اليمنى لدى البشر
إذا طلب منك أحد أن تلتقط قلمًا أو تفتح بابًا أو ترمي كرة، فمن المحتمل أنك ستستخدم يدك المفضلة دون أن تفكر في الأمر لحظة واحدة. بالنسبة لمعظم الناس، يبدو الأمر طبيعيًا إلى درجة أننا نادرًا ما نتساءل: لماذا نفضل يدًا على الأخرى؟
لكن هذه العادة اليومية البسيطة تخفي وراءها قصة تطورية طويلة تمتد لملايين السنين.
فالبشر يتميزون عن جميع الرئيسيات الأخرى بنسبة مرتفعة للغاية من مستخدمي اليد اليمنى. فبينما تُظهر بعض أنواع القردة والرئيسيات ميولًا فردية لاستخدام يد معينة، لا يوجد أي نوع منها يقترب من النسبة البشرية التي تصل إلى نحو 90% من السكان. وقد حيّر هذا الأمر العلماء لعقود طويلة.
هل يعود السبب إلى استخدام الأدوات؟ أم إلى اللغة؟ أم إلى الثقافة والعادات الاجتماعية؟ أم أن هناك عوامل أعمق بكثير؟
دراسة حديثة نُشرت في مجلة “المكتبة العامة للعلوم – علم الأحياء [1]” (PLOS Biology) حاولت الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل بيانات 41 نوعًا مختلفًا من الرئيسيات. وقد اختبر الباحثون مجموعة واسعة من الفرضيات التي طُرحت سابقًا، بما في ذلك تأثير الغذاء والبيئة والتنظيم الاجتماعي واستخدام الأدوات.
لكن النتيجة كانت مفاجئة.
فالعاملان الأكثر ارتباطًا بتفضيل اليد لم يكونا الغذاء ولا السلوك الاجتماعي، بل كانا حجم الدماغ وطريقة الحركة.
عندما وقف الإنسان على قدميه
تبدأ القصة قبل ملايين السنين عندما بدأ أسلاف البشر بالتخلي تدريجيًا عن الحركة المعتمدة على الأطراف الأربعة، واتجهوا نحو المشي المنتصب على قدمين [2].
قد يبدو هذا التغيير بسيطًا، لكنه غيّر حياة أسلافنا بالكامل.
فعندما أصبحت الساقان تتحملان مسؤولية الحركة، تحررت اليدان من هذه المهمة. وفجأة أصبحتا متاحتين لحمل الأشياء، وجمع الطعام، واستخدام الأدوات، وتنفيذ الحركات الدقيقة التي لم تكن ممكنة من قبل بالدرجة نفسها.
وهنا بدأ الانتقاء الطبيعي يلعب دوره.
فالأفراد الذين استطاعوا استخدام إحدى اليدين بكفاءة أعلى ربما كانوا أكثر نجاحًا في التعامل مع الأدوات أو إعداد الطعام أو تنفيذ المهام المعقدة. ومع مرور الأجيال، أصبحت هذه الميزة أكثر شيوعًا وانتشارًا.
بعبارة أخرى، فإن المشي على قدمين لم يجعل الإنسان أطول قامة فحسب، بل فتح الباب أيضًا أمام ظهور التخصص اليدوي.
دماغ أكبر… وهيمنة أقوى
لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد.
فمع تطور الإنسان، بدأ دماغه بالنمو ليصبح أكبر وأكثر تعقيدًا. ومع هذا النمو، ازداد ما يعرف بـ”التخصص النصفي للدماغ”، أي أن نصفي الدماغ لم يعودا يؤديان الوظائف نفسها بالدرجة ذاتها.
أصبح النصف الأيسر أكثر ارتباطًا باللغة والتخطيط والحركات الدقيقة، وهو النصف الذي يتحكم في الجانب الأيمن من الجسم. ومع تزايد هذا التخصص العصبي، أصبحت اليد اليمنى أكثر تفوقًا في أداء المهام الدقيقة لدى غالبية البشر.
ويرى الباحثون أن المشي على قدمين كان الشرارة الأولى التي سمحت بظهور التخصص اليدوي، بينما جاء تطور الدماغ لاحقًا ليعزز هذا الاتجاه ويمنحه القوة التي نراها اليوم.
ماذا عن أسلاف البشر؟
لم يكتف الباحثون بدراسة البشر المعاصرين، بل حاولوا أيضًا إعادة بناء تفضيلات اليد لدى أنواع بشرية منقرضة.
تشير النماذج التطورية إلى أن الأنواع المبكرة مثل: أرديبيثكس راميدوس [3] (Ardipithecus ramidus) و أسترالوبيثكس أفارينسيس [4] (Australopithecus afarensis) ربما أظهرت ميلًا خفيفًا فقط نحو استخدام اليد اليمنى.
أما الأنواع اللاحقة، مثل:الإنسان المنتصب [5] (Homo erectus)و الإنسان النياندرتالي[6] (Homo neanderthalensis)، فقد أظهرت دلائل على تفضيل أقوى وأكثر وضوحًا. ومع ظهور الإنسان العاقل [7] (Homo sapiens)بلغت هذه النزعة ذروتها، لتصبح هيمنة اليد اليمنى أقوى مما هي عليه لدى أي نوع آخر معروف من الرئيسيات.
استثناء غريب: إنسان الهوبيت
لكن التطور نادرًا ما يكون خطًا مستقيمًا. فقد كشفت الدراسة عن حالة استثنائية مثيرة للاهتمام تتعلق بالنوع المنقرض الإنسان الفلوريسى [8](Homo floresiensis)، المعروف شعبيًا باسم “إنسان الهوبيت” بسبب قصر قامته.
تشير التقديرات إلى أن هذا النوع ربما امتلك تفضيلًا أضعف لليد اليمنى مقارنة بأقربائه من البشر القدماء. ويعتقد العلماء أن السبب قد يكون صغر حجم دماغه نسبيًا، إضافة إلى احتفاظه بمزيج من سلوكيات المشي والتسلق.
وهذا يدعم الفكرة القائلة إن تطور تفضيل اليد لم يكن مرتبطًا بعامل واحد فقط، بل نتج عن تفاعل معقد بين حجم الدماغ وطريقة الحركة.
إذا كانت اليد اليمنى أفضل… فلماذا ما زال هناك عُسر؟
يبقى سؤال محير قائمًا حتى اليوم.
إذا كانت اليد اليمنى قد وفرت مزايا تطورية واضحة، فلماذا لا يزال نحو 10% من البشر يستخدمون اليد اليسرى؟ لا يملك العلماء إجابة نهائية بعد، لكن الأدلة تشير إلى أن الأمر يبدأ مبكرًا جدًا، قبل الولادة.
فالدماغ يبدأ في تطوير درجة معينة من عدم التماثل بين نصفيه خلال مراحل النمو الجنيني. وفي معظم الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليمنى، يسيطر النصف الأيسر من الدماغ بدرجة أكبر، بينما يظهر لدى كثير من مستخدمي اليد اليسرى دور أكبر للنصف الأيمن.
كما كشفت أبحاث وراثية حديثة عن وجود متغيرات جينية نادرة تظهر [9] بمعدلات أعلى بين الأشخاص العُسر. ومع ذلك، لا تبدو الجينات وحدها مسؤولة عن الظاهرة؛ إذ يُعتقد أن عوامل عشوائية أثناء نمو الدماغ الجنيني قد تلعب دورًا مهمًا أيضًا.
لذلك ينظر العلماء اليوم إلى تفضيل اليد باعتباره نتيجة تفاعل معقد بين الوراثة ونمو الدماغ والبيئة المحيطة.
لسنا وحدنا
المثير للاهتمام أن البشر ليسوا الكائنات الوحيدة التي تُظهر تفضيلًا لطرف معين.
فبعض أنواع الببغاوات تفضل استخدام قدم محددة وعين معينة أثناء تناول الطعام. كما تُظهر أنواع عديدة من الكنجارو والولابي [10] سلوكًا مشابهًا، حيث تعتمد بصورة أكبر على أحد الطرفين الأماميين أثناء الأكل أو تنظيف الجسم.
وقد لاحظ العلماء أن العديد من هذه الحيوانات تقضي وقتًا طويلًا في أوضاع شبه منتصبة، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان الوقوف أو الحركة المنتصبة يشجعان ظهور السلوك الجانبي في أنواع مختلفة من الحيوانات، وليس لدى البشر وحدهم.
إرث ملايين السنين
في النهاية، تقترح هذه الدراسة فكرة رائعة في بساطتها: ربما بدأت قصة هيمنة اليد اليمنى عندما وقف أسلافنا على أقدامهم لأول مرة. فذلك التحول البسيط حرر اليدين من مهمة الحركة، ومنحهما فرصة لتطوير مهارات أكثر دقة وتعقيدًا. ثم جاء الدماغ المتطور ليحول هذه الفرصة إلى سمة مميزة للنوع البشري. وربما لم يؤثر هذا التحول في اليد التي نستخدمها فحسب، بل ساهم أيضًا في قدرتنا على صنع الأدوات، وتطوير اللغة، وبناء الحضارات التي نعرفها اليوم.
لذلك، في المرة القادمة التي تمسك فيها قلمًا أو تفتح بابًا أو ترمي كرة بيدك اليمنى، تذكر أنك لا تؤدي مجرد حركة يومية عادية، بل تمارس سلوكًا يحمل في طياته إرثًا تطوريًا امتد عبر ملايين السنين من تاريخ الإنسان.
ملاحظات
1. الإنسان البدائي (Hominid)
الإنسان البدائي هو فرد من الفصيلة البيولوجية، التي تضم البشر المعاصرين، وأسلاف البشر المنقرضة، والشمبانزي، والغوريلا، والأورانجتان. وفي المناقشات المتعلقة بتطور الإنسان، غالبًا ما يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى البشر وأقاربهم التطوريين المنقرضين.
2. المشي على قدمين (Bipedalism)
المشي على قدمين هو القدرة على المشي بشكل معتاد على قدمين. وهو إحدى السمات المميزة لتطور الإنسان، وقد أطلق العنان لليدين لحمل الأشياء وصنع الأدوات وأداء مهام معقدة أخرى.
3. أرديبيثكس راميدوس (Ardipithecus ramidus)
أرديبيثكس راميدوس هو سلف بشري مبكر عاش في شرق إفريقيا منذ حوالي 4.4 مليون سنة. أظهر مزيجًا من سمات تسلق الأشجار والمشي المنتصب، مما يوفر أدلة مهمة حول الانتقال من أسلاف شبيهة بالقردة إلى البشر الأوائل اللاحقين.
4. أسترالوبيثكس أفارينسيس (Australopithecus afarensis)
أسترالوبيثكس أفارينسيس هو نوع منقرض من البشر البدائيين عاش منذ ما يقرب من 3.9 إلى 2.9 مليون سنة في شرق إفريقيا. تنتمي الحفرية الشهيرة “لوسي” إلى هذا النوع، الذي كان يمشي منتصباً لكنه احتفظ ببعض التكيفات لتسلق الأشجار.
5. الإنسان المنتصب (Homo erectus)
كان الإنسان المنتصب نوعًا بشريًا مبكرًا عاش منذ حوالي 1.9 مليون إلى 110,000 سنة. كان لديه دماغ أكبر من الإنسان البدائي السابق، واستخدم أدوات حجرية، وسيطر على النار، وكان أول سلف بشري معروف يهاجر على نطاق واسع خارج أفريقيا.
6. الإنسان النياندرتالي (Homo neanderthalensis)
عاش الإنسان النياندرتالي، المعروف عمومًا باسم النياندرتال، في أوروبا وأجزاء من آسيا حتى حوالي 40,000 سنة مضت. كان لديهم أدمغة كبيرة، وصنعوا أدوات متطورة، واعتنوا بأفراد المجموعة المصابين، وتزاوجوا مع البشر الحديثين الأوائل.
7. الإنسان العاقل (Homo sapiens)
الإنسان العاقل هو الاسم العلمي للبشر المعاصرين، وقد نشأ في أفريقيا منذ حوالي 300,000 سنة. يتميز هذا النوع بلغة متطورة، وتفكير تجريدي، وثقافة معقدة، وتكنولوجيا متطورة للغاية.
8. الإنسان الفلوريسى (Homo floresiensis)
كان الإنسان الفلوريسي نوعًا بشريًا صغير الحجم عاش في جزيرة فلوريس الإندونيسية حتى حوالي 50,000 سنة مضت. أُطلق عليه لقب “الهوبيت”، وكان يبلغ طوله حوالي 3.5 أقدام (1.1 متر)، وكان لديه دماغ صغير بشكل مدهش على الرغم من استخدامه للأدوات الحجرية.
9. المتغيرات الجينية النادرة المتكررة بين الأفراد الذين يستخدمون اليد اليسرى
المتغيرات الجينية النادرة هي تغييرات غير شائعة في الحمض النووي تحدث في نسبة صغيرة من السكان. وقد وجدت دراسات حديثة أن بعض المتغيرات النادرة أكثر شيوعًا بين الأفراد الذين يستخدمون اليد اليسرى، مما يشير إلى أن العوامل الوراثية تساهم في تفضيل اليد، على الرغم من أن العوامل البيئية والتنموية تلعب أيضًا أدوارًا مهمة.
10. الكنجارو والولابي (Kangaroo and Wallaby)
حيوانات جرابية (marsupials)، تعيش أساسًا في استراليا.
المصادر:
1. كوتا، سارة. “لماذا يستخدم معظم البشر ايديهم اليمني — في حين أن ذلك لا ينطبق على جميع القرود؟ بحث جديد يستكشف الأصول التطورية لتفضيل اليد لدى البشر”. مجلة سميثسونيان، 21 مايو 2026.
2. من إنتاج الذكاء الاصطناعي. “اكتشف العلماء أن الغالبية الساحقة من البشر تستخدام اليد اليمنى وأن ذلك بسبب تحولين رئيسيين خلال عملية تطورهم.” نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي من Google، 18 مايو 2026.
3. بوشل، راشيل؛ هورويتز، راشيل؛ فينديتي، كريس. «المشي على قدمين وتوسع الدماغ يفسران تفضيل اليد اليمني لدى البشر.” PLOS Biology، 27 أبريل 2026.
https://journals.plos.org/plosbiology/article?id=10.1371/journal.pbio.3003771