في الثالث من يناير 2026، سُجِّلت لحظة فاصلة في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث. ففي عملية غير مسبوقة قادتها الولايات المتحدة داخل الأراضي الفنزويلية، جرى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى الحجز الأمريكي. وما تلا ذلك كان أكثر من مجرد قضية جنائية؛ إذ أدى إلى إعادة خلط أوراق السياسة الفنزويلية، وأثّر في مسار السياسة الخارجية الأمريكية، ودفع القوى العالمية إلى إعادة حساباتها. وبعد أسابيع قليلة فقط، ما تزال عواقب ذلك اليوم تتردد في أرجاء المنطقة والعالم.
مادورو وزوجته: من السلطة إلى المحاكمة
يواجه نيكولاس مادورو، الذي حكم فنزويلا لأكثر من عقد من الزمان، محاكمة فيدرالية في مانهاتن بتهم تشمل التآمر في مجال الإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر على استيراد الكوكايين، وجرائم تتعلق بالأسلحة. ويزعم وكلاء النيابة الأمريكيون أن مادورو وفلوريس قادا ما يُعرف بـ”كارتل الشمس”، مستخدمين المؤسسات الحكومية والقنوات الدبلوماسية والجماعات المسلحة لنقل كميات كبيرة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وإدارة شبكة إجرامية عابرة للحدود.
وبعد أن دفع كلٌّ من مادورو وزوجته ببراءتهما، وُضعا في مركز الاحتجاز في بروكلين. ومن المتوقع أن تطعن هيئة الدفاع في شرعية القبض عليهما، مستندةً في ذلك إلى حصانة رئيس الدولة، على الرغم من أن المحاكم الأمريكية سبق أن رفضت مثل هذه الحجج. وفي حال الإدانة، يواجه الرئيس الفنزويلي احتمال السجن مدى الحياة، ومن المتوقع أن تستمر الإجراءات القانونية لسنوات.
من الناحية السياسية، جرّدت عملية الاعتقال مادورو من هالة الحصانة التي أحاطت به لسنوات. وعلى الصعيد الدولي، لم يعد يُنظر إليه كرئيس دولة، بل كمتهم جنائي، وهو تحوّل غير مسبوق لزعيم طالما قدّم نفسه كأحد أبرز وجوه التحدي للنفوذ الأمريكي.
فنزويلا: تحوّل محفوف بالمخاطر
أحدثت الإطاحة المفاجئة بنيكولاس مادورو فراغًا سياسيًا فوريًا داخل فنزويلا، وقد بدا ذلك واضحًا منذ الأيام الأولى. ففي الخامس من يناير، أعلنت المحكمة العليا ما وصفته بـ”الغياب القسري” لمنصب الرئاسة، وأدّت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز اليمين الدستورية كرئيسةً مؤقتةً للبلاد. ومنذ اللحظة الأولى، اتسمت خطواتها بالسرعة والواقعية والحذر، إدراكًا منها أن أي خطأ قد يعمّق الأزمة بدلًا من احتوائها.
تحركت رودريغيز بسرعة لتعزيز سيطرتها على مفاصل الدولة، فأجرت ما لا يقل عن 28 تغييرًا رئيسيًا داخل القوات المسلحة الوطنية البوليفارية، وأعادت تشكيل المناصب الوزارية الأساسية. وفي حين حافظت حكومتها علنًا على ولائها لمادورو، فإنها اتجهت بهدوء نحو التوافق مع واشنطن وفتح قنوات تفاهم كانت مغلقة لسنوات.
على الصعيد الاقتصادي، ظهرت بوادر أولية على الاستقرار؛ إذ انخفضت أسعار المواد الغذائية، وارتفعت قيمة العقارات بأكثر من 20 في المائة، واستأنفت بعض شركات الطيران الدولية خدماتها. والأمر الأكثر لفتًا للنظر هو أن الحكومة بدأت في فتح قطاع النفط الفنزويلي — الذي طالما كان رمزًا لسيطرة الدولة — أمام الاستثمار الخاص، في تراجع واضح عن سياسات أيديولوجية ترسخت لعقود. كما بدأت عملية عفو شملت الإفراج عن معتقلين سياسيين، وإصدار أوامر بإغلاق مراكز احتجاز سيئة السمعة مثل “الهيليكويد”.
ومع ذلك، تبقى المرحلة محفوفة بالمخاطر. فالشبكات الإجرامية التي كانت في السابق جزءًا لا يتجزأ من الدولة تعرّضت للاهتزاز، لكنها لم تُفكك بالكامل. فما تزال مؤسسات الدولة تعاني من انقسامات عميقة، فيما يحتفظ العديد من مسؤولي الأمن بمناصبهم. أما الفنزويليون العاديون، فيعيشون حالة من عدم الاستقرار المحفوفة بالأمل والخوف.
فنزويلا وإدارة ترامب: الإكراه والنفط والنفوذ
بالنسبة للولايات المتحدة، أدّى اعتقال مادورو إلى دخول سياستها مرحلة جديدة تتسم بالاندفاع والجرأة. فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب صراحةً أن الولايات المتحدة “تدير” فنزويلا فعليًا إلى أن يتم تأمين عملية انتقالية، وهو تصريح يؤكد استعداد الإدارة لتجاوز الحدود التقليدية للسيادة.
ونشرت الولايات المتحدة قوات بحرية في منطقة البحر الكاريبي، واعترضت شحنات نفطية، وشنّت ضربات ضد عمليات مزعومة لتهريب المخدرات. كما صُنّفت عصابات فنزويلية، مثل “ترين دي أراجوا”، كمنظماتٍ إرهابيةً أجنبية، مما وسّع نطاق الأدوات القانونية والعسكرية المتاحة لواشنطن.
ويكمن النفط في صميم هذه الاستراتيجية؛ فقد تحركت الإدارة الأمريكية لفرض سيطرتها على أصول النفط الفنزويلية، مع خطط للإشراف على بيع عشرات الملايين من البراميل، مقابل تخفيف العقوبات بشرط امتثال الحكومة المؤقتة. وبحذر، يُستأنف التواصل الدبلوماسي الذي انقطع منذ عام 2019، مع إعادة فتح السفارة الأمريكية في كاراكاس لأول مرة منذ سبع سنوات.
يصف المؤيدون هذا النهج بأنه “نموذج جديد للتعاون القسري” يهدف إلى فرض الاستقرار عبر الضغط المستمر. أما منتقدوه، فيحذّرون من أن هذه السياسة تنطوي على خطر انتهاك القانون الدولي وخلق سابقة خطيرة للتجاوز العسكري والاقتصادي.
أمريكا اللاتينية: منطقة منقسمة وغير مستقرة
على امتداد أمريكا اللاتينية، جاءت ردود الفعل بشكلٍ منقسم وحذِر. فقد أدانت البرازيل وكولومبيا والمكسيك وأوروغواي العملية الأمريكية باعتبارها انتهاكًا للسيادة، محذرة من أنها قد تزعزع استقرار المنطقة. وفي المقابل، رحبت الأرجنتين والإكوادور بالاعتقال باعتباره خطوة طال انتظارها.
وقد أدّى هذا التحول إلى تفاقم المخاوف الإنسانية؛ إذ لا يزال التضخم يضغط بقسوة على حياة الناس. ومع استمرار النقص في السلع الأساسية، يواجه أكثر من تسعة ملايين فنزويلي انعدامًا في الأمن الغذائي. وتستعد الدول المجاورة، ولا سيما كولومبيا، لتدفّق موجات هجرة جديدة إذا تفاقمت حالة عدم الاستقرار في فنزويلا.
أما على الصعيد الأمني، فأن المشهد الإجرامي في حالة تغير مستمر. إذ أدّت الإزالة المفاجئة للجماعات المسلحة المرتبطة بمادورو إلى إرباك الجماعات المسلحة وعصابات الاتجار بالمخدرات، مما أثار مخاوف من حدوث تنافس عنيف وتداعيات أمنية عبر الحدود.
الساحة العالمية: إعادة التوازن وعدم اليقين
على الصعيد العالمي، أجبرت الاضطرابات في فنزويلا الحكومات على إعادة حساباتها. فقد طلبت الأرجنتين رسمياً تسليم نيكولاس مادورو لمحاكمته بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. أما في كوبا، التي طالما اعتمدت على إمدادات النفط الفنزويلي، فقد بدأت آثار الأزمة تظهر بوضوح، مما أدى إلى تفاقم أزمتها الاقتصادية.
ويشير مراقبون دوليون إلى أنه، رغم بروز بعض الإشارات الإيجابية المتعلقة بحقوق الإنسان والانفتاح الاقتصادي، يظل الشك قائمًا حول عمق هذه التغييرات. فكثيرون يرونها تُمثل تحريراً تكتيكياً وليس انتقالاً ديمقراطياً حقيقياً. فلا يزال جهاز الأمن الفنزويلي سليماً إلى حد كبير، فيما تسيرالحكومة المؤقتة على حبل مشدود بين مطالب الولايات المتحدة وضغوط الموالين المتشددين لإرث هوجو تشافيز، رئيس فنزويلا الأسبق.
نقطة تحوّل قيد التطور
في أوائل فبراير 2026، تقف فنزويلا عند مفترق طرق في تاريخها الحديث. فقد أدى اعتقال نيكولاس مادورو إلى إنهاء حقبة طويلة بشكل مفاجئ، لكنه ترك الباب مفتوحًا على حقبة جديدة لم تتضح ملامحها بعد. ما بدأ كعملية درامية لإنفاذ القانون تحوّل سريعًا إلى مشهد أكثر تعقيدًا، تُختبر فيه معانى السلطة والبقاء السياسي. إنها لحظة تتجاوز آثارها حدود فنزويلا نفسها، إذ قد تسهم نتائجها في إعادة تعريف معايير التدخل والمساءلة على الساحة الدولية. وتترك بصمة تذكرنا بالمعايير التي حكمت العلاقات الدولية في عصور الإستعمار الأوروبي لدول عجزت عن الدفاع عن نفسها.
المصادر
1. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي. “مادورو وزوجته يواجهان نظام العدالة الأمريكي.” Google AI، 7 فبراير 2026.
2. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي. “ما حدث في فنزويلا منذ اعتقال مادورو.” Google AI، 7 فبراير 2026.
3. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي. “ما حدث في أمريكا اللاتينية منذ اعتقال مادورو”. Google AI، 7 فبراير 2026.
4. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي. “ما حدث على الساحة العالمية منذ اعتقال مادورو.” Google AI ، 7 فبراير 2026.