كانت الأراضي التي عُرفت فيما بعد بالولايات المتحدة خاليةً من أيٍّ من أديان العالم القديم. لكن هذا تغيّر مع وصول المستوطنين الأوائل، الذين جاؤوا بإيمانهم وجعلوا منه جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية، رغم أن الحرية الدينية آنذاك كانت محدودة وخاضعة لهيمنة كنائس رسمية. ومع قيام الدولة الجديدة، جاء الدستور ليقلب المعادلة؛ فضَمِن حرية المعتقد، وحوّل الدين من أمرٍ مفروض إلى خيارٍ شخصي. ثم جاءت موجات «الصحوة الكبرى» لتُقرّب الإيمان من الناس، وتربطه بقيم المشاركة والإصلاح. ومع مرور الزمن وتدفّق المهاجرين، اتسعت الخريطة الدينية لتضم الكاثوليك واليهود وأديانًا أخرى، إلى أن وصلنا اليوم إلى مجتمع متنوّع، يضم مؤمنين على اختلاف مشاربهم، وآخرين لا ينتمون إلى أي دين، في قصةٍ أمريكية ما تزال تعيد طرح السؤال عن العلاقة بين الإيمان والحرية والهوية.
الأمريكيون الأوائل: من هجرة المؤمنين إلى المجتمع الاستعماري
في مطلع القرن السابع عشر، وصل المهاجرون الأوروبيون إلى العالم الجديد حاملين معهم إيمانهم قبل متاعهم. غالبيتهم كانوا هاربين من الاضطهاد الديني في أوروبا، أو ساعين إلى بناء مجتمعات تعكس قناعاتهم الدينية العميقة. استقر البيوريتان [1] في نيو إنجلاند، وأسّس الكويكرز [2] بنسلفانيا على مبدأ التسامح، بينما وجد الكاثوليك في ماريلاند ملاذًا آمنًا لهم. ومع ذلك، لم تكن الحرية الدينية مطلقة، إذ أقامت بعض المستعمرات كنائس رسمية وضيّقت على المخالفين لها في العقيدة. ورغم أن نسبة الملتزمين فعليًا بالدين كانت متواضعة مقارنة بالمعايير الحديثة — إذ يُقدَّر أنها لم تتجاوز نحو 17% عام 1776 — فإن الدين ظل حاضرًا بقوة في تشكيل القيم والعادات وأنماط الحياة.
من أفكار التنوير إلى الدستور: ولادة الحرية الدينية
مع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر، بدأت أفكار التنوير والتعددية الدينية تعيد صياغة العلاقة بين الدين والدولة. فقد حظر الدستور الأمريكي إقامة كنيسة وطنية، وتبع ذلك التعديل الأول للدستور [3]، الذي كفل حرية المعتقد، وفتح الباب لنموذج جديد للدولة — لم يعد فيها الدين مفروضًا بقوة القانون، بل أصبح خيارًا شخصيًا. وبذلك قُطعت الصلة بالنموذج الأوروبي القائم على الكنيسة الرسمية والسلطة الدينية المرتبطة بالدولة.
الصحوة الكبرى الأولى: حينما أصبح الإيمان تجربة شخصية
أثناء هذا التحول، وفي ثلاثينيات وأربعينيات القرن الثامن عشر، اندلعت موجة روحية عارمة عُرفت بـ”الصحوة الكبرى الأولى”. وكانت هذه الصحوة لحظة مفصلية في تاريخ الدين في الولايات المتحدة، إذ انتقلت بوصلة الإيمان من الطقوس الرسمية الجامدة إلى التجربة الروحية الشخصية.
تجاوز وعّاظ مثل جوناثان إدواردز [4] وجورج وايتفيلد [5] سلطة الكنائس التقليدية وطقوسها الجامدة، ودعوا الناس إلى توبة شخصية وعلاقة مباشرة بين الإنسان وربه. وبفضل هذا الخطاب العاطفي المؤثر، فُتحت أبواب الدين أمام فئات مهمّشة، مثل الفقراء والنساء وحتى العبيد. وقد كسرت هذه الدعوة حواجز اجتماعية راسخة، وزرعت بذور التدين الفردي الذي انسجم لاحقًا مع الروح الديمقراطية الأمريكية.
القرن التاسع عشر: الإيمان في خدمة الإصلاح الاجتماعي
شهد القرن التاسع عشر عودة الروحانية بقوة مع “الصحوة الكبرى الثانية”، التي امتدت من أواخر القرن الثامن عشر حتى أربعينيات القرن التاسع عشر. لكن الإيمان هذه المرة لم يعد مجرد خلاصٍ فردي، بل تحوّل إلى قوة دافعة للإصلاح الاجتماعي. فقد ارتبطت الكنائس الإنجيلية بحركات إلغاء العبودية، والدعوة إلى الامتناع عن شرب الكحول، والمطالبة بحقوق المرأة، ولاحقًا بحركة “الإنجيل الاجتماعي” [6]، التي سعت إلى معالجة مشكلات الفقر والظلم الناتجة عن الازدهار الصناعي والتوسع الحضري.
وفي هذا المناخ النشط، ظهرت حركات دينية أمريكية خالصة، مثل المورمونية [7]، والأدفنتست [8]، والعلم المسيحي [9]، في تعبير واضح عن قدرة المجتمع الأمريكي على إعادة ابتكار أشكال جديدة من التدين.
موجات الهجرة الكبرى: إعادة رسم الخريطة الدينية
مع موجات الهجرة الكبرى في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تغيّرت الخريطة الدينية للولايات المتحدة مرةً أخرى. فقد غيّر وصول الملايين من الإيرلنديين والألمان والإيطاليين والبولنديين الطابعَ البروتستانتيَّ السائد، مما قوّى الحضور الكاثوليكي على نحو غير مسبوق، إلى جانب تنامي المجتمعات اليهودية.
ورغم ما صاحب هذه التحولات من توترات ونزعات معادية للمهاجرين، فإن النتيجة النهائية كانت زيادة التنوع الديني للمجتمع، خاصة في المدن الكبرى التي تحولت إلى مراكز للمؤسسات الدينية والطائفية المتعددة.
ما بعد الحرب العالمية الثانية: الذروة ثم التحوّل
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت الولايات المتحدة زيادة غير مسبوقة في المشاركة الدينية، وكأن المجتمع كان يبحث عن الطمأنينة والاستقرار بعد سنوات من الاضطراب العالمي. لكن هذا الازدهار لم يدم لفطرة طويله. فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت ملامح جديدة تظهر على الساحتين الدينية والسياسية. فقد تراجع نفوذ الطائفة البروتستانتية التقليدية [10]، بينما صعدت التيارات الإنجيلية ذات الحضور السياسي الواضح [11]. وفي المقابل، تسارع نمو فئة “غير المنتمين دينيًا” [12] — وهي فئة لم تكن تتجاوز نسبة ضئيلة في مطلع القرن العشرين، وأصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في المشهد الديني الأمريكي.
أمريكا اليوم: مشهد متنوّع مع عديد من الأقليات
ازداد المشهد تعقيدًا مع هجرات جديدة من آسيا وأفريقيا، جلبت معها الإسلام والهندوسية والبوذية وغيرها من الديانات. ورغم أن هذه الديانات ظلّت أقليات من حيث العدد، فإنها أصبحت جزءًا حيويًا من الواقع الأمريكي. واليوم، تعكس الخريطة الدينية المعاصرة اختلافات واضحة بين أقاليم الولايات المتحدة: فمن جنوبٌ لا يزال معقلًا للإنجيلية البروتستانتية، وشمالٌ ووسطٌ بثقل كاثوليكي واضح، إلى ساحلٌ غربيّ يتصدّر فيه غير المنتمين إلى أي دين.
الختام: الدين في الولايات المتحدة… قصة لم تنتهِ بعد
بعد مسار طويل امتدّ لنحو 250 سنة، ما يزال الدين في أمريكا قصة تحوّل مستمر حتى اليوم: من كنائس استعمارية رسمية إلى مجتمع يقدّس حرية الاختيار، ومن إيمانٍ يفرضه المجتمع إلى خيار فردي حر. إنها حكاية تداخلت فيها الصحوات الروحية مع موجات الهجرة، وتعديلات الدستور مع التجارب الشخصية. ولا تزال قصة الدين في أمريكا تُكتب فصولها حتى الآن، تحت عمود النور.
ملاحظات
1. البيوريتان: حركة بروتستانتية إنجليزية سعت إلى تطهير الكنيسة من بقايا الكاثوليكية، وكان لها دور محوري في تأسيس مجتمعات نيو إنجلاند وقيمها الأخلاقية الصارمة.
2. الكويكرز: جماعة مسيحية بروتستانتية تؤمن بالمساواة ورفض العنف، أسّست بنسلفانيا على مبادئ التسامح الديني وحرية الضمير.
3.التعديل الأول للدستور: جزء من الدستور الأمريكي يضمن حرية الدين والتعبير والصحافة، ويمنع الدولة من فرض دين رسمي أو التدخل في المعتقدات الفردية.
4. جوناثان إدواردز: واعظ ولاهوتي أمريكي بارز قاد الصحوة الكبرى الأولى، واشتهر بخطابه الذي شدّد على التجربة الدينية الشخصية والخلاص الفردي.
5. جورج وايتفيلد: واعظ إنجليزي جوّال كان من أبرز رموز الصحوة الكبرى الأولى، عُرف بأسلوبه العاطفي المؤثر الذي جذب جماهير واسعة عبر المستعمرات.
6. حركة “الإنجيل الاجتماعي”: تيار مسيحي في أواخر القرن التاسع عشر ربط الإيمان بالإصلاح الاجتماعي، وسعى إلى معالجة الفقر والظلم وعدم المساواة الناتجة عن التصنيع.
7. المورمونية: حركة دينية أمريكية تأسست في القرن التاسع عشر على يد جوزيف سميث، وتؤمن بنصوص إضافية إلى الكتاب المقدس وتطورت إلى كنيسة عالمية.
8. الأدفنتست: طائفة مسيحية نشأت في الولايات المتحدة وتركّز على العودة الثانية القريبة للمسيح، وتولي اهتمامًا خاصًا بالصحة ونمط الحياة.
9. العلم المسيحي: حركة دينية أمريكية تؤكد على الشفاء الروحي وقوة الإيمان، وتقلل من الاعتماد على الطب التقليدي في معالجة الأمراض.
10. الطائفة البروتستانتية التقليدية: تشير إلى الكنائس البروتستانتية التاريخية مثل المشيخية والميثودية، التي كانت مهيمنة سابقًا لكنها شهدت تراجعًا في النفوذ والعضوية.
11. التيارات الإنجيلية ذات الحضور السياسي الواضح: حركات مسيحية محافظة تربط الدين بالقضايا السياسية والاجتماعية، ولها تأثير ملحوظ في الانتخابات والسياسات العامة الأمريكية.
12. فئة غير المنتمين دينيًا: أشخاص لا ينتسبون إلى أي دين منظم، ويشملون الملحدين واللاأدريين ومن يعرّفون أنفسهم بأنهم “بلا انتماء ديني”.
1. من إنتاج الذكاء الاصطناعي. “الخريطة الدينية للولايات المتحدة منذ تأسيسها قبل 250 عامًا”. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي، 27 ديسمبر 2025.
2. هندرسون، أليكس. “انحراف الولايات المتحدة عن الكنيسة يمثل ‘أسرع تحول ديني في التاريخ الحديث‘. “، msn 26 ديسمبر 2025.
3. كونتريراس، راسل. “الانفصال الكبير عن الكنيسة في أمريكا”. أكسيوس، 26 ديسمبر 2025.
https://www.axios.com/2025/12/26/great-unchurching-america-religiously-unaffiliated
4. من إنتاج الذكاء الاصطناعي. “الخريطة الدينية للولايات المتحدة منذ تأسيسها قبل 250 عامًا”. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي، 27 ديسمبر 2025.
5. من إنتاج الذكاء الاصطناعي. “مستقبل الدين في الولايات المتحدة”. نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي، 27 ديسمبر 2025.
6. من إنتاج الذكاء الاصطناعي. “مستقبل الأديان، بخلاف المسيحية، في الولايات المتحدة؟” نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي، 27 ديسمبر 2025.