ملخص في ثوانٍ:
يدّعي باحثون صينيون أنهم طوّروا طلاءً خفيًا فائق الرقة مصنوعًا من اللوفة الكربونية وجزيئات نانوية مغناطيسية، يمتص أكثر من 99.99٪ من موجات الرادار المستخدمة في أنظمة الكشف عبر الأقمار الصناعية. تعمل البنية الطبيعية الشبيهة بالإسفنج على حبس وتبديد الطاقة الكهرومغناطيسية، مما يقلّل بشكل حاد من البصمة الرادارية للطائرة. تسلّط الدراسة الضوء على اندماج غير متوقّع بين التقليد الحيوي والاستدامة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
في مزيج مذهل بين الطبيعة والعلوم العسكرية المتقدمة، صرّح باحثون صينيون بأنهم توصّلوا إلى تطوير طلاء خفي جديد قد يجعل الطائرات المقاتلة أكثر صعوبة في الكشف عنها بواسطة الأقمار الصناعية الرادارية الأمريكية الموجودة في الفضاء [1]. هذا الابتكار، الذي تم تطويره وفقًا للتقارير من قبل فرق بحثية تعمل مع جيش التحرير الشعبي الصيني وشركة الصين للعلوم والصناعات الفضائية (CASIC)، يعتمد على مادة طبيعية غير متوقعة: ليفة الاستحمام [2].
ليفة الاستحمام، أو اللوفة، المعروفة عالميًا بوصفها إسفنجة بسيطة للاستحمام أو أداة تنظيف منزلية، ليست سوى ثمرة مجففة لنبات من القرع الاستوائي ينتمي إلى عائلة الخيار. غير أن هذه البساطة الظاهرية تُخفي خلفها بنية طبيعية معقّدة؛ إذ تتكوّن اللوفة من شبكة ليفية إسفنجية ثلاثية الأبعاد، مؤلّفة من ألياف السليلوز المترابطة بإحكام. هذه البنية المتشابكة، التي قد تبدو عادية في الاستخدام اليومي، تتحوّل—عند إخضاعها لظروف معالجة قاسية—إلى مادة ذات خصائص متقدمة وغير متوقعة.
ووفقًا لتقارير صحيفة صينية (The South China Morning Post)، وما نشرته دراسة علمية في مجلة صينية (High Power Laser and Particle Beams)، قام فريق بحثي بقيادة تشن جون، في معهد قياس وتكنولوجيا اختبار الفضاء الجوي (CASIC)، بتحويل اللوفة المجففة إلى كربون من خلال مراحل علمية دقيقة. شملت هذه المراحل المعالجة الحرارية المائية [3]، تلتها عملية كربنة في درجات حرارة عالية [4]، ما أدى إلى تحويل البنية النباتية إلى هيكل كربوني موصل. بعد ذلك، جرى تدعيم هذا الهيكل بجزيئات نانوية مغناطيسية [5] من أكسيد النيكل والكوبالت، لينتج عن هذا التزاوج بين الكربون والمغناطيسية مركّب متقدم أُطلق عليه اسم (NCO-2)[6].
والنتيجة طلاء رقيق للغاية لا يتجاوز سمكه أربعة مليمترات، لكنه قادر على امتصاص الموجات الكهرومغناطيسية الواردة في النطاق التردديKu [7]، وهو نطاق يتراوح بين 12 و18 جيجاهرتز ويُستخدم على نطاق واسع في الأقمار الصناعية الحديثة المزوّدة برادارات ميكروية، وبكفاءة مذهلة. وتشير الاختبارات إلى أن هذا الطلاء قادر على تقليل إشارات الرادار المنعكسة بنحو سبعمائة مرة، حتى في الحالات الصعبة التي تصطدم فيها أشعة الرادار بالطائرة مباشرة من الأعلى، وهي زاوية طالما شكّلت تحديًا كبيرًا أمام تقنيات التخفي التقليدية.
ويكمن سر هذا الأداء في الطريقة التي تتصرّف بها الموجات الكهرومغناطيسية عند ملامستها لسطح الطلاء. فبدلًا من الانعكاس سريعًا إلى مصدر الرادار، تدخل الموجات إلى مسام المادة الشبيهة بالمتاهة، وتبدأ في رحلة معقّدة من الارتدادات الداخلية. وكل ارتداد إضافي يمنح المادة وقتًا أطول لامتصاص الطاقة. وفي الوقت نفسه، تسمح الشبكة الكربونية الموصلة بانتقال الإلكترونات بحرية، ما يؤدي إلى تحويل جزء من طاقة الميكروويف إلى حرارة، بينما تسهم الجسيمات النانوية المغناطيسية في تعزيز ما يُعرف بالفقد المغناطيسي. وتعمل هذه التأثيرات—الخسارة التوصيلية [8]، والخسارة المغناطيسية [9]، والاستقطاب البيني عند حدود المواد المختلفة [10]، والمطابقة المثلى للمقاومة [11]—على إضعاف إشارات الرادار العائدة إلى حدّ كبير.
من الناحية العملية، يدّعي الباحثون أن طائرة ذات مقطع راداري رأسي يبلغ نحو خمسين مترًا مربعًا يمكن أن تنخفض بصمتها القابلة للكشف إلى أقل من متر مربع واحد بعد تغطيتها بهذا الطلاء. ومثل هذا التراجع الحاد في البصمة الرادارية من شأنه أن يجعل تعقّب الطائرة من الفضاء غاية في الصعوبة، مما يمنحها درجة أعلى من الخفاء أثناء التحليق.
ولا تقتصر نتائج هذا البحث على الجانب العسكري فقط، إذ يلفت الفريق العلمي الانتباه إلى بُعد آخر لا يقل إثارة، هو الاستدامة. فاللوفة، التي تشكّل محور هذا الابتكار، مادة متجددة ومشتقة من الكتلة الحيوية، ما يفتح الباب أمام مسار “أخضر” لتطوير مركّبات عالية الأداء تمتص الموجات الكهرومغناطيسية. والمفارقة اللافتة للنظر هنا أن نباتًا بسيطًا ربما استخدمه المصريون القدماء في حياتهم اليومية—وربما حتى في زمن الملكة كليوباترا—قد أصبح اليوم أساسًا لتكنولوجيا تخفٍ متطورة.
تعكس هذه الدراسة اتجاهًا متناميًا في العلوم الحديثة: الاستلهام من الهياكل الطبيعية لحل التحديات التكنولوجية المعقّدة. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الطلاء القائم على اللوفة سيفي بوعوده الجريئة في ظروف القتال الحقيقية.
ومع كل التحفّظات، فإن فكرة أن نباتًا بسيطًا من عائلة القرع يمكنه المساعدة في إخفاء الطائرات المقاتلة عن الأقمار الصناعية الرادارية المدارية تظل تذكيرًا حيًا بأن الابتكار غالبًا ما ينشأ من أكثر الأماكن غير المتوقعة، حيث تلتقي الطبيعة والتكنولوجيا وتفتحان معًا نافذة جديدة على مستقبل لم يكن في الحسبان.
ملاحظات
1. الأقمار الصناعية المزودة برادار فضائي — هي أقمار صناعية تدور حول الأرض وتستخدم إشارات الرادار لاكتشاف وتتبع الأجسام الموجودة على الأرض أو في الجو. وهي ترسل موجات راديو وتحلل الإشارات التي ترتد لتحديد الطائرات أو السفن أو التضاريس.
2. اللوفة —إسفنجة طبيعية مصنوعة من ثمرة مجففة لنبات من عائلة القرع. تشكل بنيتها الخفيفة الوزن والليفية شبكة معقدة من المسام التي يمكن أن تكون مفيدة في أكثر من مجرد الاستحمام والتنظيف.
3. المعالجة الحرارية المائية — هي عملية تستخدم الماء الساخن والضغط العالي لتغيير بنية المادة. تساعد على تكسير الألياف الطبيعية وإعدادها لمزيد من التحول الكيميائي أو الفيزيائي.
4. الكربنة عالية الحرارة — الكربنة هي عملية تسخين مادة إلى درجات حرارة عالية جدًا في غياب الأكسجين. وهذا يحول المادة العضوية إلى كربون، مما يجعلها موصلة للكهرباء وأكثر مقاومة للحرارة.
5. الجسيمات النانوية المغناطيسية —هي جسيمات صغيرة للغاية — أصغر بألف مرة من حبة الرمل — تستجيب للمجالات المغناطيسية. عند إضافتها إلى المواد، تساعد على امتصاص الطاقة الكهرومغناطيسية وإضعافها.
6. NCO-2—هو مادة مركبة جديدة ورقيقة للغاية تمتص الموجات الدقيقة، طورها علماء صينيون عن طريق دمج جزيئات نانوية من أكسيد النيكل والكوبالت (NiCo₂O₄) في هيكل من اللوفة (السليلوز) المكربنة، لتشكل شبكة ثلاثية الأبعاد مسامية تقلل بشكل كبير من إشارات الرادار، مما يجعل الطائرات الشبحية أصعب في الكشف، خاصة في نطاق Ku، عن طريق حبس وتبديد الموجات الكهرومغناطيسية.
7. الموجات الكهرومغناطيسية في نطاق(KU-band) –هو جزء من الطيف الكهرومغناطيسي ضمن نطاق الموجات الميكروية، ويقع تقريبًا بين 12 و 18 جيجاهرتز. يُستخدم هذا النطاق في أنظمة الرادار والأقمار الصناعية والاتصالات الفضائية لأنه يسمح بنقل إشارات عالية الدقة. كذلك يمتاز هذا النطاق بقدرته على كشف التفاصيل الصغيرة وتتبع الأهداف بدقة، مثل الطائرات والسفن من الفضاء، لكنه في المقابل يكون أكثر تأثرًا بالأمطار والظروف الجوية مقارنةً ببعض النطاقات الترددية الأقل. لذلك يُعد اختيارًا مهمًا في تطبيقات المراقبة العسكرية والاتصالات المتقدمة.
8. الخسارة التوصيلية — تحدث هذه الخسارة عندما تنتقل الطاقة الكهربائية عبر مادة موصلة وتتحول إلى حرارة، و تساعد هذه العملية على امتصاص إشارات الرادار بدلاً من عكسها.
9. الخسارة المغناطيسية — تحدث الخسارة المغناطيسية عندما تمتص المواد المغناطيسية الطاقة من الموجات الكهرومغناطيسية. يؤدي هذا الامتصاص إلى إضعاف إشارة الرادار وتقليل كمية الطاقة المنعكسة.
10. الاستقطاب البيني — يحدث هذا التأثير عند الحدود بين المواد المختلفة داخل مركب. تتراكم الشحنات الكهربائية عند هذه الحدود، مما يساعد على حبس الطاقة الكهرومغناطيسية وامتصاصها.
11. المطابقة المثلي للمقاومة — وهو تصميم المادة بحيث يسمح للموجات الكهرومغناطيسية لدخولها بسهولة بدلاً من أن تنعكس عن سطحها. هذا التصميم يسمح لهذه المادة بامتصاص المزيد من طاقة الرادار مما يجعل من الصعب الكشف عنها.
المصادر
جونسون، روبن. “مقاتلات الصين الشبحية قد تصبح قريباً غير مرئية للرادار الفضائي.” 1945، 6 ديسمبر 2025.
ميشرا، برابهات ر. “الطلاء الجديد للطائرات الشبحية الصينية المصنوع من اللوفة يقلل من شدة إشارة الرادار بمقدار 700 ضعف “الهندسة المثيرة للإهتمام”، 27 نوفمبر 2025.
https://interestingengineering.com/military/china-stealth-fighter-jet-coating-radar-signals